السيسي من ميدان العسكرية لمسرح السياسة

السيسي من ميدان العسكرية لمسرح السياسة
المصدر: تاج الدين عبد الحق

مع انتقال عبد الفتاح السيسي رسميا من ميدان العسكرية إلى مسرح السياسة، ينتقل من موقع يملك أدواته ومفاتيحه، إلى مسرح تتلمس خطاه دهاليزه ودروبه. وهو بانتقاله من موقع القيادة في الجيش لموقع الرئاسة في الحياة المدنية، ينتقل من دور المعلم إلى دور المتعلم .

قد تكون معركة الانتقال سهلة في ضوء الشعبية الطاغية التي يتمتع بها المشير، لكن الصعوبة التي يواجهها هي ما بعد الانتقال، وكيفية الاحتفاظ بزخم التأييد في مناخ يرتفع فيه سقف التوقعات إلى حد انتظار لمسة سحرية تعيد تشكيل الصورة بكل تفاصيلها وكل أبعادها .

شعبية السيسي بقدر ماهي عنصر من عناصر نجاحه المنتظر في سباق الرئاسة المقبل في مصر، بقدر ماهي عبء عليه . فمريدوه ينظرون إليه كمنقذ ومخلص طال انتظارهم له لتخليصهم من إرث أزمات مزمنة، ومعقده . وخصومه ينتظرونه عند المنعطف الأول لقصر الرئاسة ليطالبوه بتحقيق ما عجزوا هم عنه، أو رد الرئاسة التي يعتقدون أنها سلبت منهم، وأنهم الأحق بها .

المعركة الرئاسية القادمة في مصر معركة على المكشوف، صحيح أن نتائجها تكاد تكون محسومة لصالح السيسي، إلا أن النتائج المباشرة قد لا تكون هي النتائج الحاسمة في بلد اتقن تغيير الرئاسات وتحريك الشارع. فالمؤيدون مهما كثر عددهم، وعظم إخلاصهم لايعطون السيسي شيكا على بياض، فقد حددوا له موعد استحقاق قد لا يطول، قبل أن يبدأوا المطالبة بالوفاء به وتنفيذ ما فيه من التزامات واستحقاقات.

والمشكلة التي تواجهها الرئاسة المصرية، هذه المرة، هي أن مشروعها السياسي ليس مشروع حزب، أو تيار بل مشروع عموم الشعب المصري. والقوى السياسية والحزبية التي تدعم ترشح السياسي فعلت ذلك، إما لأنها لا تملك البديل القادر على مواجهة التيار الداعم للمشير، أو بدافع الضروة الأمنية أو المصلحة الآنية، وبالتالي فإن إستمرار هذا الدعم قد يجعل ممن يدعمه اليوم خصمه القادم .

في خطاب اعتزال العسكرية، وإعتلاء السياسة، وسع السيسي البيكار، جعل كل الهموم أولويات يتم التعاطي معها كحزمة واحدة ابتداء من الابقاء على قبضة أمنية قوية قادرة على مواجهة الارهاب، والتصدي للترهل الإداري وحل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. لم يحاول أن يتذرع بأي حجة، ولم يعلق قصور الخدمات أو ضعف الانتاجية على شماعة الموارد، فتحدث بلغة أهل الشارع عندما قال بالفم الملآن إنها موارد كافية لإحداث تنمية شاملة.

السيسي يأتي للرئاسة محكوما بدستور ليس من صنعه وقد لا يتوافق في نصوصه مع حماسته للتغيير ومع طبيعته العسكرية الصارمة، كما أنه يأتي محكوما بزمن لا يستطيع تجاوزه حتى لو كانت متطلبات التغيير تستدعي ذلك أو تقتضيه . هو يأتي أيضا في ظروف أخذت فيه المعارضة السياسية موقع الند في مواجهة النظام، وفي وقت لم يعد في مقدور النظام أو في مصلحته تهميش المعارضة أو إلغائها . وبين سرعة التغيير وحجمه، وبين الضوابط الدستورية والسياسية التي تحكمه، سيكون الحكم بنجاح التجربة أو فشلها، فاستدامة التغيير وتطوره يتطلب استدامه الهياكل التنظيمية والسياسية التي تحكمه.

مهمة الرئيس السيسي لن تكون سهلة، وفوزه في الانتخابات سيكون الحلقة الأسهل فيها، والحلقات الصعبة التالية ستحدد لا مصير الرئاسة الجديدة فقط، بل مجرى الحياة السياسية المصرية، برمتها ، لعقود طويلة قادمة .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث