فشة خلق سياسية على الطريقة الأمريكية

فشة خلق سياسية على الطريقة الأمريكية

فشة خلق سياسية على الطريقة  الأمريكية

تاج الدين عبد الحق

 

لايبدو أن الضربة العسكرية الامريكية لسوريا، ستغيركثيرا في معادلة الصراع على الارض ، كما أنها لن تسهم  في تعديل ميزان القوى المتحاربة .

 

 والذين كانوا ينتظرون هذه الضربة ، بإعتبارها طوق النجاة، وخشبة  الخلاص،  من المأزق الأنساني للشعب السوري،  وبداية للحل السياسي، هم اليوم أكثر المشككين في جدواها ، وأكثر المتشائمين من نتائجها .

 

ويبدو للكثير من المحللين والمتابعين ، أن الحدود والضوابط التي وضعها الرئيس الامريكي للعمل العسكري المنتظر، تعكس إلى حد كبير طابع التردد،ونهج التخبط ،  الذي اتسمت به سياسة اوباما تجاة الشرق الاوسط،  منذ خطابه في جامعة القاهرة غداة تسلمه الرئاسة ، ومرورا بتراجعه  المذل أمام الصلف الاسرائيلي ، وإنتهاء بموقفه المتذبذب من الاحداث الاخيرة في مصر .

 

وهذا الموقف المتردد ، الذي أثار حفيظة الحلفاء وارتيابهم في السابق  ، يطل اليوم من جديد في المشهد السوري . فهو بالحدود التي اعلنها اوباما في خطابه  لايبدو كافيا لتطمين الحلفاء  ، كما أنه ليس فعالا لتغيير مواقف الخصوم .

 

 وأكثر ما يأمله المتفائلون حتى الآن هو  تحسيين شروط التفاوض في مؤتمر جينيف 2 ، الذي لا زال رغم التعثر مخرج الازمة الوحيد  وفرصة الحل الأخير .

 

أوباما يدرك أن العمل العسكري غير مجد ، لكنه يصر عليه رغم إنفضاض أقرب الحلفاء من حوله.  فهو يريد معالجة قضايا عديده ،  ليست سوريا أولوية فيها .

 

 هو يريد أولا  استعادة موقعه كلاعب مؤثر في أحداث الشرق الاوسط خاصة بعد العامين الماضيين اللذين كشفا هشاشة وضعف الادارة الامريكية في التعاطي مع شؤون المنطقة وتطورات الاحداث المتلاحقة فيها والتي أدت لتغيير تحالفات واشنطن وتبديل أولوياتها .

 

أوباما يريد أيضا ، استعادة هيبته في مواجهة الاتحاد الروسي الذي استفاق من سباته الطويل ، ليصبح بيضة القبان في الازمة السورية والمدخل لحلها أو تعقيدها .

 

أوباما يريد ايضا استعادة ثقة حلفائه الذين وجدوا في تخبطه و تردده ما يغري القوى  الإقليمية المنافسة لملء الفراغ،   ولو على حساب مصالح الآخرين في المنطقة .

 

على أن هذه المبررات السياسية للضربة الامريكية المتوقعه ، لم تكن كافية فيما يبدو ليحزم الرئيس اوباما امره بسرعة . فبادر ، لوضع أكثر من قيد على نفسه ، فجعل من الضربة عملا محدودا في النطاق الجغرافي والمدى الزمني .

 

و آثر التريث في تنفيذ القرار ،  بذريعة الحصول على تفويض من الكونغرس،  وهاجسه في هذا الخوف من تورط عسكري أوسع وأطول،  وهو امر لا يريده سيما وأنه أخذ على عاتقه عند انتخابه ، إنهاء التورط العسكري الامريكي في النزاعات الاقليمية وسحب القوات الامريكية من مناطق تلك النزاعات .

 

اوباما الذي يريد أن يسجل في تاريخ مدته الرئاسية نجاحا في معالجة الازمة الاقتصادية ، يدرك ايضا أن عملية واسعة في سوريا قد تقوض جهوده في هذا الاتجاة وقد يجد نفسه متورطا في إنفاق عسكري باهظ التكاليف ، لم يعد بإمكان الخزانه الامريكية تحمله .

 

اوباما يعلم كذلك أن القوى المعارضة للنظام السوري ليست إختيارا يمكن المراهنة عليه والوثوق به ، ولذلك فهو لا يريد عملا عسكريا يؤدي إلى تقوية جماعات تبدو أكثر خطرا على المصالح الامريكية من الخطر الذي يمثله النظام السوري . 

 

أيا كانت مبررات اوباما ، فمن الواضح أن التحفظ الذي يحيط بالعملية العسكرية الامريكية المنتظرة في سوريا ، لن تغير كثيرا في مسار الأزمة ، وانها  في أحسن الاحوال لن تكون أكثر من  ” فشة خلق” سياسية  على الطريقة الامريكية .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث