تجنيد الفلسطينيين المسيحيين في الجيش الإسرائيلي

تجنيد الفلسطينيين المسيحيين في الجيش الإسرائيلي

نظير مجلي

من يتابع هذه الحملة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وبعض ردود الفعل العربية المشبوهة عليها، يحسب أن هناك تدفقا جماعيا للشباب المسيحي على الخدمة العسكرية، خصوصا وأن الجيش نفسه عمم عدة كليبات فيديو تبين بعض الشبان والصبايا الذين تطوعوا في هذا الجيش. وتتفاقم هذه الحملة هذه الأيام، لأن الحكومة اتخذت قرارا لملاحقة الشبان المسيحيين الوطنيين الذين يتصدون لعمليات التجنيد. وبدأت بالمقابل حملة تهديد بوليسية من الشرطة الإسرائيلية ضد رافضي التجنيد.

فما هو سر هذه الحملة؟ وهل هي حملة جادة ستفضي إلى تجنيد مجموعات كبيرة من المسيحيين؟ أم انها حملة إعلامية ذات أهداف سياسية ستنتطوي بعد بضعة شهور، مثل سابقاتها؟ وهناك سؤال أخطر: في الماضي عرفنا حملات تجنيد للمسيحيين خلال أزمات دامية، فهل نحن مقبلون على صدام دام ما مع المسيحيين في الناصرة مثلا أو في أماكن أخرى اعتادوا اغراقها بالدم والنيران بين المسيحيين وبين الدروز او المسلمين؟!

بدأت هذه الحملة مع تأسيس ما يسمى “منتدى تجنيد المسيحيين للخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي”، وذلك في شهر آب 2012. ففي تلك الفترة تزايدت شكاوى المسيحيين العرب في مصر وسورية وتم الاعتداء على الكنائس وتصاعد الحديث عن اضطهاد المسيحيين في العالم العربي، بما في ذلك في قطاع غزة، وكما يبدو فإن أوساطا إسرائيلية رأتها فرصة لإبراز المسيحيين في إسرائيل على أنهم “الوحيدون الذين يعيشون في أمان في الشرق الأوسط”، لا بل يطالبون بتجنيد أبنائهم في الجيش الإسرائيلي كتعبير عن شدة الانتماء. بعد شهرين، وتحديدا في 16 تشرين الأول 2012، عقد المنتدى اجتماعا سريا في مدينة نتسيرت عيليت، تحت رعاية رئيس بلديتها، شمعون جابسو، وهو من حزب الليكود، ويمثل حاليا أمام القضاء في قضية فساد ورشوة. وحضره حوالي 90 شخصا، أبرزهم كاهن في الكنيسة الأرثوذكسية يدعى جبرائيل نداف. وقد كشف أحد الشبان المسيحيين الوطنيين من الناصرة، يدعى ورد قبطي، أمره. ومن هنا بدأت تتدحرج القضية. الوطنيون المسيحيون ومعهم سائر الأحزاب القومية تهاجم الفكرة وأصحابها والحكومة ورجالاتها يدافعون عنهم ويشيدون بهم ويقدمون لهم الجوائز. واستقبل رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الكاهن نداف في مكتبه. واستدعت الشرطة ورد قبطي وكل من يشتبه بأنه يمارس ضغطا أو تهديدا له ولبقية أعضاء المنتدى.

البطريرك الأرثوذكسي ثيوفولوس، الذي يضع صورة أمير قطر في صدر مكتبه بجانب الصليب، لم يجرؤ على اتخاذ أي إجراء بحق الكاهن. لكن المجالس الأهلية في الطائفة الأرثوذكسية استنكرت حملة التجنيد ومجلس الناصرة دعا لإلقاء الحرمان على الكاهن نداف. وخوفا من أن تنتقل العدوى إلى طوائف مسيحية أخرى، أصدرت الكنائس الكاثوليكية بيانا وطنيا جريئا حول الظاهرة في 26 حزيران 2013، جاء فيه أن “للجيش الإسرائيلي هدفان رئيسان، الأول، قتالي وهو القدرة والعمل على مواجهة دول الجوار العربي بصورة عامة، وإبقاء الاحتلال المفروض على الفلسطينيين بصورة خاصة. والهدف الثاني هو صهر جميع المواطنين في بوتقة واحدة ترسخ فيهم وعيا واحدا إسرائيليا صهيونيا. وكلا الهدفين يناقضان ضمير المواطن الفلسطيني في إسرائيل وذاته الإنسانية.

الجيش الإسرائيلي ليس بحاجة إلى مزيد من الجنود، خصوصا إذا كانوا عربا. فمع أن القانون الإسرائيلي، يلزم جميع المواطنين أو المقيمين الدائمين في إسرائيل، ذكورا أو إناثا، في سن 18 عاما، أن يخدموا في الجيش، إلا أن قيادة الجيش حرصت على أن لا يخدم العرب. فقد كان واضحا لها أن غالبية قادة الحركة الوطنية في صفوف فلسطينيي 48 كانوا من المسيحيين، الذين قادوا معارك البقاء والتحدي وثبتوا عروبة الفلسطينيين داخل إسرائيل وصعدوا الكفاح من أجل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بدولة إلى جانب إسرائيل. ونذكر بينهم عضو الكنيست توفيق طوبي، ابن حيفا، والأديب اميل حبيبي، والمؤرخ اميل توما والقس شحادة شحادة رئيس لجنة الدفاع عن الأراضي، والمناضل صليبا خميس، سكرتير هذه اللجنة، ومحامي الأرض حنا نقارة، والقائد السياسي يني يني والكاتب والشاعر حنا ابراهيم وقادة حركة الأرض ، منصور كردوش وبولس فرح وحبيب قهوجي وصبري جريس وبولس فرح وغيرهم.

وعبر الزمن، وخلال أكثر من 65 سنة على قيام إسرائيل، يعتبر المسيحيون أقل طائفة خدمت في الجيش. واليوم، من مجموع أكثر من ستمئة الف جندي في الجيش الإسرائيلي النظامي والاحتياطي، لا يوجد سوى 300 جندي مسيحي، بينهم 156 عنصرا في الجيش النظامي (الاحصائيات غير رسمية، وهي تقديرية نشرتها صحيفة “هآرتس” في عددها الذكور أعلاه). ومنذ بدأت الحملة لتجنيد المسيحيين، تجاوب 86 شابا جديدا بينهم 8 شابات.

للمقارنة، هناك 12 ألف عربي مسلم متطوعون في الجيش الإسرائيلي، وفقا لمركز “يافة” للدراسات الاستراتيجية. إذن، ما الذي يقف وراء حملة تجنيد الشبان المسيحيين العرب في إسرائيل؟

الخوف كبير لدى أصحاب التجارب المريرة مع السياسة الإسرائيلية أن تكون هذه مقدمة لانفجار جديد يتعلق بالمسيحيين الفلسطينيين. فقد سبق وأن وقعت صدامات طائفية مع مسيحيين، نفذها ضعفاء النفوس من مختلف الطوائف. هذه الصدامات كانت تنطوي على عدة شبهات خطيرة تدل على أن وراءها جهات عالية في السلطة. ولعل أخطرها ما جرى في الناصرة، إذ أنها جاءت في الفترة التي طرحت فيها قضية القدس في مفاوضات السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير. وبدا أن الهدف الإسرائيلي هو أن يفهم العالم بأن المسيحيين لن يكونوا آمنين في القدس وبيت لحم في ظل حكم المسلمين. وبما أننا نعيش هذه الأيام أيضا مرحلة مفاوضات فمن غير المستبعد ان يتم تكرار التجربة، علما بأن رئيس الحكومة آنذاك هو رئيس الحكومة الحالي، بنيامين نتنياهو. والناصرة تعيش فترة توتر حرجة بسبب الاشكاليات في انتخابات البلدية الأخيرة وهناك من يريد تحويلها من صراع انتخابي بين حزبين إلى صراع طائفي بين المسيحيين والمسلمين.

فهذه الحملة لتجنيد المسيحيين ليست بريئة أبدا. والخوف أن يكثر عدد ووزن الواقعين فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث