هل ينجح البحر الميت في إحياء القمة العربية؟

هل ينجح البحر الميت في إحياء القمة العربية؟

تاج الدين عبدالحق

يستعيد الأردن وهو يستضيف القمة العربية في منتجع البحر الميت في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، أجواء قمة الوفاق والاتفاق التي عقدت في عمان قبل عقدين. وهو يأمل أن يتحقق للقمة المقبلة شيء من نجاح قمة عام 87، التي عقدت في أجواء من الانقسام والتشتت في الموقف العربي.

نقول شيئًا من النجاح، ولا نقول النجاح نفسه، الذي  حققته تلك القمة. فالأمور اليوم أعقد، والطريق أصعب، حتى لو صفت القلوب، وخلصت النيات!، و”بوس اللحى “الذي كان القادة العرب يحلون به خلافاتهم، لم يعد وصفة ناجعة لحالة التردي، التي تستشري في الساحة العربية من المحيط إلى الخليج، فضلًا عن أنه لم يعد ينطلي على واقع اجتماعي عربي جديد يملك مفاتيح الوصول إلى المعلومة               والقدرة على تعميمها أولًا بأول .

وعلى خلاف ما كان عليه الوضع في القرن الماضي، فإن جميع الدول العربية -بلا استثناء- تكاد تكون على نحو أو آخر، منخرطة في الخلافات، بحيث لم يعد هناك وسطاء محايدون، يمكن التعويل عليهم لتقريب وجهات النظر، أو فرض الحلول، والتأثير على المواقف.  غاية المنى – في ظل هذا الوضع – أن ننتظر من الغنيمة الإياب، وأن  ينتظم انعقاد القمم العربية، في مواعيدها السنوية، حتى لو كان الحضور فيها باهتا، ومتدنيا، أو كان وقتها قصيرا ومختزلا.

الأردن الذي يستضيف القمة، لا يملك  بحكم تاريخه، ودوره، ومكانه في أزمات المنطقة  ومشكلاتها، إلا المراهنة على النجاح حتى لو كان صعب المنال، والوصول إليه ضربًا من المُحال.

وعمان عندما تستضيف القمة تعلم أن لديها معطيات قد لا تتوافر لدى الآخرين، فهي وإن كانت منخرطة في بعض الخلافات العربية، إلا أنها أبقت خيوطا مفتوحة مع الجميع، ومع أن هذه الخيوط سببت إزعاجا للبعض، وعتبا من بعض آخر  إلا أنها ظلت مفيدة لإدامة شيء من التواصل المستدام بين الأضداد.

 كما أن الأردن حافظ على صوت مسموع في المحافل الدولية، وكان لهذا الصوت صدى واضح في الإقليم؛ ما ساهم في احترام خصوصية دوره، وتقدير مخاطر موقعه الجغرافي بين أزمات المنطقة.

ما يتوافر للأردن من معطيات تعطيه فرصة فتح خيوط بكل الاتجاهات،  بشأن ما يتعلق  بأكبر عُقد المنطقة اليوم،  وهي الأزمة السورية،  حيث يتحرك بعيدا عن حالة الاستقطاب، وتعدد المحاور،   دون أن يخشى لومًا وعتبًا من هذا الطرف أو ذاك، ودون أن يتخوف من أيّ عواقب  تنال من طبيعة  دوره في مقاربة تداعيات هذه الأزمة وامتداداتها.

 ويبدو أن الدبلوماسية الأردنية مهدت للقمة، على هذا الصعيد ،مبكرا،  من خلال جملة من المبادرات والاتصالات التي وضعتها في صلب التحركات السياسية الأخيرة،  بدءا من مؤتمر العاصمة الكازاخستانية استانا الذي دُعي له الأردن كطرف فاعل ومهتم بمسار المفاوضات السورية، ومرورا بالاتصالات العميقة التي أجرتها عمان مع القيادة الروسية والنظام السوري،  قبل أن تحط رحالها في واشنطن باحثة عن الدور االمنتظر  من الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب لتحديد المسار النهائي للأزمة.

وإذا استطاع الأردن إحداث اختراق يفتح الباب، أمام توافق عربي بشأن المسألة السورية،  فإنه يمهد بذلك  لانفراجات في الأزمات العربية الأخرى، حيث الخلافات والتباينات بشأنها أقل حدة  وخطورة،  من الأزمة السورية  الأم التي باتت، بسبب طول أمدها وتعدد الأطراف المتورطة فيها، مفتاح الحلول لكل أزمات الإقليم ومشاكله.

قمة عمان حتى في ظل الغمامة السوداء التي تلفها من كل صوب وحدب، يمكن أن تشكل بداية ومنطلقا لعمل عربي  جديد، خاصة وأن هناك توقعات واسعة بأن يكون الحضور العربي فيها حضورا فاعلا،  وقادرا على اتخاذ القرارات التي يمكن أن تفتح كوة في الحائط المسدود الذي وقفت عنده القمم العربية السابقة، والتي  باتت حدثا باهتا لا يحفل به أحد ولا يُنتظر من  قراراته وبياناته أي شفاء لأزمات المنطقة وعذاباتها.

أيُّ نجاح لقمة البحر الميت لا يسجل إنجازا سياسيا للدبلوماسية الأردنية فحسب، بل قد يكون علاجا لبعض مشكلات الأردن الداخلية التي تتفاقم بسبب الفاتورة الباهظة، التي يدفعها الأردن لأزمات تتجسد داخليا على شكل مخاطر أمنية، ومشكلات اجتماعية وإنسانية واقتصادية، لم يعد بمقدور الأردن تحملها وتحمل تبعاتها مع ما يعنيه ذلك من مخاطر على المنطقة برمتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث