مصر بانتظار جودو

مصر بانتظار جودو

مصر بانتظار جودو

تاج الدين عبد الحق

يوما بعد يوم، يتزايد الشعور بأن تدخل الجيش في انتفاضة 30 يونيو، لم يكن مدروسا بما فيه الكفاية. فبدل أن تكون القوات المسلحة  حكما، اصبحت  طرفا.  وبدل أن يكون الاخوان في مواجهة عشرات الملايين من ابناء الشعب المصري الذين خرجوا يوم 30 يونيو مطالبين بتصحيح مسار ثورة 25 يناير أصبحوا اليوم في مواجهة المؤسسة العسكرية، وهي مواجهة واضحة المعالم، ومحددة الأهداف، وهي بالمعيار السياسي مواجهة أقل كلفة بالنسبة لهم، وأكثر إحراجا لخصومهم.

 

وبدل أن يكون  دور الإخوان في هذه المواجهة دور الجلاد، تحولوا بنظر العالم الخارجي  إلى ضحية يتسابق في الدفاع عنها،  و خطب ودها،  ومحاولة استرضائها .

 

عندما أعلن الفريق السيسي خارطة الطريق السياسية التي توافقت عليها القيادات السياسية والروحية والفعاليات الاجتماعية،  كانت عملية المراوحة السياسية قد بلغت حدا لم يعد محتملا، وبدا  من التفاف الشعب المصري حول الجيش أنه ينتظر الحسم السريع  لا الدخول في مساومة طويلة، تأتي على البقية الباقية من صبره واحتماله.

 

 لكن تواتر الوساطات والاتصالات، يؤكد رغم كل ما يقال بأننا قد دخلنا بالفعل  دوامة سياسية جديدة،  قد تكون اعتى واقسى من دوامة العامين التي قضاهما الشعب المصري مقسما بين قوى طامحة للاستئثار بالدولة والثورة،  وبين قوى غير ناضجة، أوغير قادرة. 

 

الحشد الداخلي وإن تزايد عددا، وطال مدة، لا يبدو قادرا على الحسم، فالواضح الآن،  أن الجميع  ينتظر  الفرج من الخارج، وأن أنكر ويعول على المبعوثين القادمين والذاهبين وإن كابر .

 

 لكن الخارج لا يبدو مضغوطا كما الداخل موالاة ومعارضة.فالموالاة لاتضمن استمرار الصبر وإنتظار الفرج، والمعارضة لا تضمن استمرار القدرة على الحشد  والتجييش. 

 

وبإيقاع  من يحسب المخاطر ويقدر العواقب  لا يبدو الخارج،  متعجلا حلا، قد يحسب عليه إن انتصر للإخوان،  وقد يكون ضده إن إنتصر لخصومهم. والموالاة والمعارضة تريا في هذا التردد بين الخصمين، إما  فرصة للكسب السياسي  حتى لو كان وهما، أو منفذا لخروج آمن، حتى لو كان الممكن الوحيد عند  صياغة الحل، وعند البدء بقطف ثمار  الوساطات.

 

ولذلك فإن ما يقوله الخصوم في العلن لا يعبر عما يحدث في الكواليس. فالمسافة الفاصلة بين المواقف المعلنة  غير قابلة للتجسيير، إلا إذا كانت الوساطات تذهب  فعليا إلى ما هو أبعد مما هو معلن. والخوف من الحل هو في العمق خوفا من مواجهة الانصار.

 

الجيش لا يستطيع أن يواجه أنصاره  بحل يعيد الاخوان لواجهة المشهد،  بعد أن طلب التفويض من الشعب  لإقصائهم وبعد  أن  نال  التأييد لإبعادهم وإجتثاث ارهابهم ، والاخوان لا يستطيعون بعد هذا الجهد من الحشد،  وبعد هذا السيل من الدماء،  أن يتنازلوا عن خطاب الشرعية الذي برروا فيه “نفرتهم الجهادية” وأن  يقبلوا الخروج الآمن كثمن  أقصى  يدفع لهم ضمن أي تسوية مع خصومهم.

 

الخلاصة أن كل  الخصوم معارضة وموالاة  فقدوا قدرة الحسم الذاتي، وأصبحوا رهينة إنتظار حل توافقي يأتي ولا يأتي، كما في المسرحية  العبثية للكاتب الايرلندي صموئيل بيكت بإنتظار جودو   الذي جعل رمزه  تعبيرا عن الانتظار بحد ذاته في حين أن   الشيء المنتظر لا وجود له أصلاً أو لا معنى له، بل لا هيئة له.  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث