استراتيجيا “التمكين”: إيران تتقدم وتركيا تنكفىء

استراتيجيا “التمكين”: إيران تتقدم وتركيا تنكفىء

عدلي صادق

مثلما تمت التضحية بـ “الكيماوي” الذي جعله النظام السوري وسيلته لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل؛ ضحّت إيران بما استغرق تجميعه سنوات، من مخزون اليورانيوم، ووافقت على إنزال مستوى التخصيب، إلى ما دون خُمس طموحها وقدرتها، وأكدت على الطابع السلمي لبرنامجها النووي، برسم التفتيش اليومي الأجنبي، متى شاء المفتشون!

انكفاءان تكتيكيان، كانا للمقتضى نفسه. إنقاذ نظامين لهما هدف استراتيجي يتوخى الهيمنة على الجناح الشرقي للعالم العربي، بمنطوق طائفي، من “قم” إلى “صور” اللبنانية على ساحل المتوسط، مروراً بالعراق وسوريا، على أن يكون “الخليج” وقلب العالم العربي غير ذي فاعلية، وعاجزاً عن اتخاذ أية خطوة استراتيجية مهمة، إنصافاً لاقتصاده، ولأمنه القومي، ولخياراته السياسية ولإرادات شعوبه!

تسليم “الكيماوي” إلى أيدي الأمريكيين عملياً، مع وضع اليورانيوم في متناول الأيدي نفسها؛ كان لإنقاذ رأسي نظامين، الأول كان ولا زال آيلاً للسقوط، ولم يتماسك إلا بسبب استنزاف إيران لما تبقى من عافيتها جنوداً وعتاداً وحليفاً “شيعياً” في لبنان، واقتصاداً. أما الثاني، الإيراني، فقد أعياه التضخم، وبات في كل يوم يخسر مساحة نفوذه، فيما المجتمع المدني الإيراني يزداد حنقاً عليه، وقد اقترب من حال الفشل الكلوي!

تجرع، الأسديون والخمينيون المتطرفون، سم إلقاء سلاحين استراتيجيين، لكي يحققا خطوة استراتيجية واحدة بالمعيار التاريخي، وهي ضمان بقاء النظامين والمشروعين والسياقين. وفي هذه الخطوة، تصرفا على نحو لا يفهمه ولا يعرف ثقافته السياسية، متخلف كمحمود أحمدي نجاد.

لكن إخواننا الأتراك الحاكمون، الذين تعاطوا مع انتفاضة الشعب السوري بتردد وارتجاف في الميدان مع طلاقة خطابية دعائية (كشأن كل جماعة “الإخوان” في أي معترك مع خصوم أو أعداء حقيقيين) لم يفلحوا استراتيجياً. كان بمقدورهم أن يحسموا الأمر لصالح الشعب السوري في بدايات انتفاضته، وقبل أن يمتطي “قاعديو” الجهادية السلفية موجتها. وشغلتهم قضية “التمكين” لجماعة “الإخوان” عن كل خَطْب، حتى أوصلوا انفسهم إلى لحظة القطيعة مع مصر، دون أن يزنوا الأمور بالميزان الاستراتيجي. ففي الشهور الستة الأولى بعد نشوء “الجيش السوري الحر” كان بمقدور الأتراك تحييد طيران النظام ومنعه من تدمير سوريا، سواء بتزويد السوريين المعارضين، بمنظومة دفاع جوي فعالة، أو بنشاط جوي لا يكف النظام في دمشق عن توفير مبرراته، ومن بينها اسقاط طائرتين تركيتين، وأسر ثم إعدام الطيارين، ناهيك عن اختراقات شبه يومية للمجال الجوي التركي وتفجيرات في مناطق حدودية تركية!

النظام الإيراني أمسك بزمام قضيته وبزمام مشروعه، وأتاح لـ “معتدلين” من ضلعه، الطفو على السطح، وبدّل وسائله ونقّح لغة واجهته السياسية، ولا يني عن مد وتعميق علاقاته في القارة الآسيوية، دون أن يتوقف عند مسائل خلافية فرعية مثلما يفعل “الإخوان” من كل لون. وقد أوصله هذا التكتيك إلى ما يبتغي، إذ عاد النظام السوري لكي يدفع بما استجمعه من قوات إيرانية وعراقية ولبنانية وطائفية سورية، إلى الخط الرابط بين دمشق والساحل، وإلى الهضاب المتاخمة، ثم يتقدم طامحاً إلى استعادة ما فقده في حلب والرقة ودير الزور، وإلى تكثيف الهجمات بالقنابل، مع الحصار للمناطق الخارجة عن سيطرته في ريف دمشق. فالنظام الإيراني، رأى أن مصيره يكمن في نتائج معركة سوريا. لذا كان الإيرانيون يتقدمون في خط مستقيم. أما الأتراك فقد كانوا يتراجعون دون أن يربحوا وداداً من إيران أو من النظام السوري. لم يقدر لهم الإيرانيون، ولا الأسديون، أنهم هم الذين احبطوا محاولات “الجيش السوري الحر” لأن يحسم أمره مع “الجهاديين السلفيين”، وأنهم هم (الأتراك) الذين تكفلوا بحرمان المعارضة السورية المدنية المسلحة، من حماية أجوائها، ومن منع النظام من إحراق وتدمير المناطق الحضرية التي يتواجد فيها “الجيش السوري الحر”!

انكفأ الأتراك على مستوى التأثير في سوريا، وتقدم الإيرانيون على هذا الصعيد. وبالمعنى الاستراتيجي أصبح حضور الإيرانيين يستوجب التفاوض دولياً، أما الغياب التركي، بالمعنى وبالمبني، فلا يستوجب التفاتة دولية استراتيجية!

إخواننا الأتراك، خلعوا من كل مسؤولية، لكي يتفرغوا لمقارعة المصريين دفاعاً عن “الجماعة”. ولا نعلم ما هي الحيثية الاستراتيجية التي يراها أردوغان في “التمكين” لجماعة “الإخوان”، إن لم تفضح الضحالة، تلك الرسالة الغرامية التي بعث بها الرئيس المعزول محمد مرسي لشمعون بيرس!

الآن، وبالمحصلة، أوصلت طهران ما قُطع مع واشنطن، وقطعت أنقرة ما هو موصول مع مصر. وبالمنظور الطائفي الذي تنبهنا له بفضل الإيرانيين والأسديين و”حزب الله”؛ تكون تركيا قد شقت الجسم السُني، بينما الإيرانيون يحمون الرهط المحارب من الجسم الشيعي ويؤمّنون له الاستمرار في الهجوم. كان واضحاً أن النظام الإيراني، مستعد للسماح بالتفتيش على ملابسه الداخلية، لكي يعبر هذه المرحلة ويتجاوزها. كذلك النظام السوري الذي لم تعد له ملابس داخلية. الإيرانيون يصبرون، ويبدلون لغتهم، ويؤكدون على حقيقة مستجدة، تدحض قولاً كاذباً سابقاً عن برنامج سلمي. بات برنامجهم الآن سلمياً حقاً وبطيئاً، لأن الهدف الأهم بالنسبة لهم، هو أن يظلوا حاضرين بقوة، بنظامهم ومعه تابعه الأسدي، وبوزن استراتيجي دولي، في مشرق العالم العربي!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث