ليبيا من أزمة مع الخارج إلى أزمة في الداخل

ليبيا من أزمة مع الخارج إلى أزمة في الداخل

ليبيا من أزمة مع الخارج إلى أزمة في الداخل

تاج الدين عبد الحق

 

يدفع الليبيون اليوم،  ثمن الأزمة في  الداخل، مثلما دفعوا بالأمس ثمن أزمتهم مع الخارج.

 

 في الماضي دفع الليبيون ثمن رعونة الحكم ،  واليوم يدفعون ثمن جهل المعارضة وتنافسها.

 

وما قدمه الليبيون، إبان حكم العقيد، من تضحيات ومن ضحايا هو تسديد لفواتير أزماتهم مع الخارج، وكل ما يدفعونه اليوم من أمنهم وقوتهم ومقدراتهم هو ثمن لتصرفات ما كنا نظن أنهم معارضة ،  وأتاوات لفتوات ومليشيات كنا نعتقد أنهم جند الخلاص، من حكم اسرة،  وفساد عشيرة.

 

بين الداخل والخارج،  تختلف المسميات، والمصطلحات، لكن النتيجة واحدة. إبان الحكم البائد،   دفعت ليبيا ثمنا لرعونة القائد وتهوره  . وبين عدوان مباشر و حصار خانق.  زهقت أرواح، وأهدرت موارد ، لم يكن لها من هدف إلا تلميع صورة العقيد، وتثبيت حكمه،  وتتويجه ملكا لملوك افريقيا وأمينا للقومية العربية، أوترسيمه بطلا من أبطال الحرية،  والدفاع عن حقوق الامم المظلومة.

 

في الماضي كان إهدار الطاقات وسلب الموارد،  يتم بدعوى التصدي للامبريالية الامريكية، والغربية،  والدفاع عن القضايا العربية،  وتحقيق الوحدة وتحرير فلسطين، قبل أن يتوسع الهدف ويتمدد ليشمل تحرير وتمكين القارة الافريقية  برمتها.

 

اليوم تستخدم القوى الثورية الليبية  نفس المسميات وذات المصطلحات، في نسخة معدلة  الاهداف ترفع فيها  هذه المرة شعار الدين، وتجعل منه ذريعة تبرر فيها كل فعل يتناقض مع مصالح الليبين، وينتهك حقوقهم، ويغلق المستقبل أمامهم.

 

كنا نعتقد أن نزعة الانتقام، هي سحابة عابرة كونتها تجربة أربعة قرون من حكم استبدادي أرعن، لكننا وجدنا أنفسنا امام نسخة معدلة من النظام السابق. ففوضى اللجان الشعبية، التي برر بها العقيد الفقيد استبداده،  تهون أمام  فوضى السلاح ، الذي لا يهدد أمن ليبيا فقط وإنما أمن الجوار العربي وإستقرار الجوار الافريقي.، والفساد الذي كان سببا من اسباب الثورة على العهد البائد أصبح نهجا يحظى بالدعم والقبول، بعد أن أصبحت الموارد  النفطية  بعيدة عن سيطرة الدولة ومحكومة بغلبة السلاح.

 

وحقوق الانسان التي شكلت أيقونة الثوار،  وجذوتها، تنتهك اليوم صباح مساء،  بالصوت والصورة، من قبل الثوار أنفسهم بصور أبشع،  وأساليب أفظع،  دون أن تجد من ينتصر لها أو يفزع منها، دافعهم  في هذا إنتقام رخيص، أو  جهل أعمى.

 

لقد جاءت العملية الامريكية للقبض على أبو أنس الليبي،  القيادي السابق في تنظيم القاعدة، وإقتياده للمعتقل الامريكي من أمام بيته،  وفي وضح النهار،   لتعطي مؤشرا على حجم المشكلة التي تعيشها ليبيا في عهد ثوار الأمس،  وحكام اليوم،  ولتبعث الحزن والأ سى في نفس كل من يؤمن بأن ليبيا تستحق افضل مما هي فيه.   فتفاصيل العملية بالسهولة التي تمت بها والطريقة التي جرت فيها ترسم صورة  قاتمة لبلد لا تنقصه الموارد ولا القدرات، ولا يعوزه التاريخ،  ولا تعانده الجغرافيا،   في أن يكون أحد أهم الدول المطلة على المتوسط.

 

 وليس غريبا أن يكون هناك تزامن بين إختطاف ابو أنس الليبي وبين إختطاف أحد قادة الشباب الصومالي، بل لعل هذا التزامن صدفة موحية، أو تخطيط محكم،  لتأكيد أن ليبيا التي قلنا أنها خرجت من عهد الاستبداد، تنزلق اليوم  بسرعة إلى مستنقع الصوملة، الذي قد يترك ليبيا  في فوضى عارمة ويجعل منها دولة فاشلة لعقود طويلة  قادمة.

 لمتابعة مقالات الكاتب الأخرى اضغط هنا

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث