الحقيقة الضائعة بين وهن الشرعية وبلطجة الانقلابيين وحوارات الأمم المتحدة

الحقيقة الضائعة بين وهن الشرعية وبلطجة الانقلابيين وحوارات الأمم المتحدة
المصدر: اللواء قاسم عبدالرب العفيف

إطالة أمد الحرب لم تكن اعتباطًا ولكن تأتي ضمن توجه الفريق الشمالي في الشرعية، وبالتناغم مع الانقلابيين لعرقلة تطبيع الحياة في المناطق الجنوبية المحررة والعمل المتعمد لتعطيل الخدمات  الضرورية فيها من خلال بقايا نظام عفاش، بهدف خلط الأوراق وإغراق الجنوب في فوضى الاٍرهاب والتخبط الإداري والأمني، لإظهاره فاشلا أمام العالم. كل ذلك من أجل إنهاء حاجة اسمها القضية الجنوبية وهذا ليس بخافٍ على أحد.

الآن تجري محاولات لبث الروح وجمع الفرقاء المتحاربين في اليمن وتحاول الأمم المتحدة ترجمة مبادرة كيري على أرض الواقع، ومن أبرز ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية يتقاسمها فرقاء الحرب مع أن كل فريق من الشرعية والانقلابيين يقف عند آخر جندي يرابط فيها على الأرض؛ ما يعني أن الانقلابيين يسيّطرون على ما كانت تسمّى بالجمهورية العربية اليمنية والشرعية اسمًا تقف على الأراضي المحررة والتي كانت تسمى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.. والتي تحررت بسواعد وتضحيات المقاومة الجنوبيه بالتعاون والدعم من قبل التحالف العربي.

السؤال ماذا يمثل الانقلابيون؟ وهل لديهم كيان سياسي أو يمثّلون مساحة جغرافية أو كتلة بشرية سكّانية في إطار تلك المساحة؟ أو أن الحوار سيتم معهم، لأنهم انقلبوا على الشرعية والإجماع بقوة السلاح  بحيث يُؤمَّن لهم حيّز من المشاركة في السلط مكافأة لهم بذلك.

 وبالمقابل، ماذا تمثّل الشرعية الحاليّة هل هي تعبير عن مساحة جغرافية وسكّانية محررة؟ أو أنها تمثّل أحزابا سياسية ذات منشأ شمالي وخليط من قوى عسكرية وقبلية الغالبية العظمى منها شمالية، ولا علاقة لها بالأرض المحررة  مع وجود عدد محدود من الجنوبيين معظمهم مرتبط حزبيًّا بتلك الأحزاب الشمالية كما أن هذه الشرعية الشمالية تتشارك مع الانقلابيين في المساحة والجغرافيا والسكّان.

السؤال الآن: أين موقع المساحة الجغرافية الجنوبية المحرّرة وشعب الجنوب والمقاومة الجنوبية في ذلك الحوار ومن هي القوى التي تمثّله؟

هذه أسئلة مطروحة ليس فقط على الشرعية ولكن أيضًا على الأمم المتحدة والدول الراعية للحوارات.

اليمن بعد الـ 26 من مارس 2015 تحوّل إلى وضع جديد مختلف عن ما قبل هذا التاريخ الذي أراد الانقلابيون تسليمه لإيران والتي لم تَخْفِ ابتهاجها بالسيطره على العاصمة العربية الرابعة عند استيلائهم على السلطة في الـ 21 من سبتمبر 2014، والتعامل مع الوضع الجديد من قبل الشرعية بعقلية نظام صنعاء أصبح غير مقبول.

لا أحد يأتي اليوم  ليتحدث عن شيء اسمه الوحدة اليمنية لأن تلك الوحدة تمّت بين نظامين سياسيين مختلفي التوجهات وبطريقة توافقية وسلمية، لكن ما لبث الشريك الشمالي أن انقلب على كل الاتفاقيات وخلق قوى مناوئة للوحدة متمثلة بمجاميع الإسلام السياسي، وفي عباءتها المجاهدون القادمون من أفغانستان ومع الأسف سارت الأمور نحو سياسة الغلبة العسكرية والقبلية وحتى جرت وراءها الأحزاب الأخرى المتأسلمة والقومجية واليسارية يعني باختصار كان اصطفافًا جهويًّا شماليًّا بامتياز ضد الجنوب وطبعًا انضم إليهم مجاميع جنوبية كانت معارضه للنظام الجنوبي تحت صبغة الانتقام فقط.

انتهت الوحدة السلمية بين الجنوب والشمال عند اقتحام قوات الجمهورية العربية اليمنية ترافقها فيالق المجاهدين الأفغان وبعض الوحدات الجنوبية التي تنتمي الى المجموعة الجنوبية التي غادرت الجنوب في 86م، وجحافل القبائل واستباحت أراضي الجنوب، حيث دارت على أرضه معارك ضارية دامت سبعين يومًا انتهت بانتصار القوات الشمالية والقوى المساندة لها والسيطرة الكاملة على أراضي جمهورية اليمن للديمقراطية الشعبية وتم بسط نظام الجمهوريه العربية اليمنية وانتهت قانونًا وشرعًا كلّ أركان الوحدة السلمية التي تمت بين نظاميْن سياسييْن مستقليْن.

انتهت الوحدة الطوعية بين الجنوب والشمال عندما تم تغيير مواد الدستور المستفتى عليه لدولة الوحدة بأكثر من تسعين في المئة من مواده.

انتهت الوحدة عندما جرى تجريف الوظيفة العامة الجنوبية من خلال طرد عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين إلى الشارع، وتم استبدالهم بآخرين من الشمال.

انتهت الوحدة عندما تم الاستيلاء على ممتلكات دولة الجنوب وتوزيعها كغنائم حرب على المتنفذين الشماليين، بما في ذلك توزيع قطاعات النفط والأسماك والمصانع وغيرها.

ظلّ الجنوب يقاوم الاحتلال بشتى الوسائل السلمية منذ اليوم الأول وتوّج بخروج المتقاعدين العسكريين والأمنيين ووراءهم كل شعب الجنوب في 7/7/2007 ليعلن للعالم رفضه لواقع الاحتلال وتصاعدت الاحتجاجات في كل محافظات الجنوب وقدّم شعب الجنوب التضحيات شهيدًا تلو شهيد حتى أصبح الحراك السلمي ممثلاً لشعب الجنوب باعتراف العالم أجمع.

ودون شرح ما حدث من الأحداث المتوالية وهذا معروف للجميع من صراع على السلطة في تحالف نظام صنعاء والخروج بحلول وسط من خلال تدخل دول الخليج بإعلان المبادرة التي سُمّيت بالمبادرة الخليجية وجاءت لحل معضلة تصدع النظام الحاكم في صنعاء وبالتالي وضعت الآلية لإجراء مؤتمر حوار بين الأطراف هناك حتى وصلت الأمور إلى مخرجات توافقت عليها تلك الأطراف لحل أزمة النظام والسلطة في صنعاء.

انتهت الوحدة عندما ظهر تحالف جديد بين مجموعة ميليشيات قادمة من صعدة تحمل أجندات سياسية تقف وراءها جمهورية إيران الإسلامية وتحالف معها المخلوع علي عبدالله صالح الذي خرج على ما تم الاتفاق عليه بانتقال السلطة وما حصل عليه من حصانة على جرائمه وجرائم نظامه خلال حكمه وأخضع كل القوات المسلحة وقوات الأمن تحت سيطرة الميليشيات.

انتهت الوحدة عندما تم الانقضاض على السلطة والشرعية التوافقية بالقوة المسلحة وسجن الرئيس الشرعي  ورئيس الحكومه والوزراء الجنوبيين في صنعاء، دون أن تحرّك القوى السياسية ساكنًا بل ذهبت تقدم ولاء الطاعة لعبدالملك الحوثي في صعدة.

انتهت الوحدة عند الإعلان الدستوري والقيام بإدارة الدولة بالاغتصاب للقرار الجمعي اليمني.

انتهت الوحدة عندما ذهب ذلك التحالف الانقلابي بعيدًا، ليعيد سيطرته على المحافظات الجنوبية وكان الغزو الثاني للجنوب ودارت المعارك منذ تجاوز تلك القوات الحدود الدولية للجنوب حتى وصلوا إلى عدن دمّروا في طريقهم كل المدن والقرى، وأخذ التدمير في عدن النصيب الأكبر، ولكن بعد معارك ضارية من قبل المقاومة الجنوبية وبمساعدة قوات التحالف العربي تمّ دحر قوات الغزاة إلى خارج حدود الدولة الجنوبية.

انتهت الوحدة بدخول ميليشيات دينية عنصرية مدعومة من إيران لديها أجندات تريد أن تفرضها بتطبيق نظام ولاية الفقيه على اليمن ومتحالفة مع المخلوع علي عبدالله صالح الذي استخدم نفوذه في توجيه كل القوات النظامية من حرس جمهوري وقوات الأمن المركزي والقوات الخاصة في خدمة المشروع الإيراني للسيطرة على اليمن.

لذا فإن كل التفاهمات والاتفاقات بين الجنوب والشمال حول الوحدة قد تم النكث فيها من قبل الجانب الشمالي بل إن استخدام القوة في تحقيق أهداف سياسية لن يقبلها شعب الجنوب تحت أية ذريعة كانت، وكذا فرض سياسات تخدم أجندات خارجية وإعادة إنتاج نظام طائفي عنصري كل ذلك وغير ذلك، فإن الجنوب في حلٍّ من هذه الوحدة التي لم يعد لها وجود على الخريطة السياسية والاجتماعية وحتى الأخلاقية.

ممثل الأمين العام للأمم المتحدة طرح مبادرته بعد مشاورات الكويت، ولم يقبلها الانقلابيون بل ذهبوا لإعلان تشكيل مجلس سياسي، ضاربين عرض الحائط كلّ القرارات الدولية. واليوم يسعى ممثل الأمين العام في ضوء مبادرة كيري لجمع الأطراف للحوار، وقبل بدء الحوار يأتي الانقلابيون ويشكلون حكومة إنقاذ ويسيرون في تغيير كل معالم الدولة المتفق عليها بالإجماع الوطني حتى بما في ذلك شعار الدولة الذي قرروا منفردين أن يكون شعارا لدولة دينية طائفية صرفة.

من هنا الجنوب من المستحيل أن يعود إلى مسمىً جديد في شكل ومضمون الدولة، والتي تم اختطافها لصالح فئة دينية قبلية طائفية مرتبطة بولاية الفقيه الخامنئي في إيران.

أعتقد أن المنطق لا يستقيم في أن الجنوب الذي لديه موروث دولة مدنية حضارية يعود للوراء قرونا عديدة، وهو قد قرّر وحسم أمره من خلال الخروج إلى ميادين القتال للتصدي لغزو الانقلابيين ودحره من أراضي الجنوب بفضل صمود المقاومة …طليعة الشعب الجنوبي والدعم الكبير من قبل التحالف العربي.

للجنوب أكثر من سنة ونيّف، ولم تقم الشرعية بإعادة الحياه الطبيعية من توفير الخدمات الضرورية بل أصبح الوضع أكثر سوءًا، ولا زالت تتعامل مع الجنوب بعقلية نظام صنعاء الذي يرفضه الجنوبيون جملة وتفصيلاً.

وهنا نضع تساؤلًا مشروعًا أمام الرعاة، إلى متى يظل شعب الجنوب مختطفًا بين شرعية ليس لها وجود  على أرضه وانقلابيين تم تطهير أرض الجنوب منهم؟ ألم يحن الوقت لمساعدته في النهوض واستعادة دولته المختطفة؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث