بين التخوين والتكفير

بين التخوين والتكفير

بين التخوين والتكفير

تاج الدين عبد الحق

بين مصطلحي  التخوين والتكفير،  قاسم مشترك،  يتجاوز الايقاع الموسيقي، إلى الدور الذي لعبه المصطلحان في تشكيل  الحياة العربية  طوال القرن الماضي وسنوات العقد  الأول من هذا القرن.

 

فالتخوين كان العنوان الأبرز لمرحلة المد القومي  الذي مكن بعض القوى السياسية والتنظيمات الحزبية العربية من الانفراد بالسلطة وإقصاء المنافسين وارهابهم، بل وتصفية الآلاف منهم،  بأدلة واهية،  ومعلومات  ملفقة، وشهادات مزورة.

 

أما التكفير،  فقد كان  هو الآخر العنوان الأوضح  لمرحلة  صعود نجم الإسلام السياسي،  وبدء ما  عرف بالصحوة الاسلامية التي انتجت تنظيمات دينية،   ادعت انها تملك  وحدها الحل،  وعندها وحدها وصفة الخلاص، لما يعتري الأمة من وهن وضعف.

 

وتحت هذا العنوان لم تكتف الحركات الدينية بطرح نفسها كبديل عن  الأنظمة السياسية القائمة والتنظيمات القومية، بل إنها تمادت في طرحها إلى حد تكفير منافسيها من القوى والحركات الاسلامية التي ولدت ضمن هذه الموجة.

 

ولو احصينا الكوارث التي نتجت عن التخوين وتلك التي نتجت عن التكفير، لتوارى  خجلا  ما نتج عن كل الحروب والكوارث التي مرت على عالمنا العربي والاسلامي  منذ نشوء الدولة الاسلامية وحتى إنهيارها.

 

فقد أنتهينا خلال فترة قياسية إلى سلسلة من  الهزائم والنكبات إنتهت بإحتلال  أقاليم ودول عربية بكاملها، وإهدار موارد وطاقات، ناهيك عن مقتل مئات الالآف وتشريد الملايين.

 

اليوم، وفي مفارقة غير متوقعة، يبدو اننا إنتهينا من لعبة الكراسي التي تتبادل فيها القوى الطامعة بالسلطة الادوار.فمصطلحي التخوين والتكفير يعيشان حالة إحتضار متزامنة . ففي سوريا التي كانت مثالا على ديكتاتورية صارخة لم تقبل حتى المشاركة ممن كانوا شركاء لها في الحزب والدولة، نعيش مرحلة لا يقوى فيها النظام على البقاء إلا من خلال الاستقواء بالخارج والاحتماء به.

 

 وفي مصر التي نبتت فيها التنظيمات الاسلامية وصدرت كل اشكال الاسلام السياسي، ترفع الحصانة عن فكر الاخوان المسلمين، وعن طروحاتهم التي كان مجرد  مناقشتها نوعا من التكفير الذي يعرض صاحبه  لشتى صنوف الارهاب الفكري والتصفية الجسدية. 

 

إن ما يحدث اليوم بالرغم من ضبابية الموقف وغموضه، يشير إلى أننا ، نعيش بداية نضج سياسي وفكري، ونسير في الربع الأخير من النفق المظلم الذي عشنا فيه طويلا وصودرت فيه حقوقنا، مرة بدعوى الخيانة ومرة بدعوى الزندقة والكفر.

 

 فهاهو النظام السوري بكل إرثه القائم على الإقصاء والإبعاد، يتقرب بكل وسيلة ممكنة  من قوى المعارضة علها تعطيه الفرصة لخروج آمن وملاذ يجنبه الملاحقة والمساءلة.

 

 وهاهم جماعة الاخوان المسلمين الذي طالما كفروا كل من نادى بالديمقراطية وبشر بها كحل وعلاج ، يستقون بها من أجل استعادة الحكم الذي فقدوه،  بسبب جشعهم ورغبتهم في احتكار السلطة والتفرد بها. 

 

 إن قبول  النظام السوري بالمشاركة كمخرج من ازمتة،  واستقواء الاخوان بالديمقراطية كطوق نجاة من الهاوية التي يقفون عند حافتها، يؤكد أن الانفراد بالسلطة لم يعد مبررا، ولا مقبولا ، ولم تعد حيلة التخوين والتكفير تنطلي على أحد،  تحت أي مسمى مهما كان براقا، وتحت أي عنوان مهما كان جذابا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث