أين الكلمة المتميزة؟!..

أين الكلمة المتميزة؟!..

نجم عبد الكريم

.. منذ تدوين الشرائع القديمة حفراً على ( المسّلات ) إلى كتابتها على صفائح البردى والجلود، وحتى عصر الطباعة الإلكترونية، والإنسان حريص على أن ما يكتب عبر هذه الوسائل، لابد أن يكون ذا قيمة تميزه، لأن حاجة الإنسان كانت دافعاً أساسياً لأن يكتشف الفينيقيون حروف الأبجدية، ويكتشف العراقيون اللغة المسمارية، ويتطور المصريون بالهيروغليفية ..

وهنا يحق لنا أن نتسائل: أيفكر الإنسان عبر قرون من الزمان السالف لإستنباط وابتداع هذه الوسائل، لكي يسجل بها ما هو من سقط المتاع ؟!.. وهزيل الفكر ؟!.. أو سيء الطباع؟

إن المنطق الطبيعي لتطور الأشياء يرفض هذه الفرضية، والمنطق العلمي يؤكد عكسها أيضاً، لأن مجرد إلقاء نظرة على محتوى ما هو محفور في هذه “المسّلات” وصفائح البردى والجلود والمنسوخات – قبل إكتشاف الطباعة – يعطينا الدليل الساطع على ذلك المستوى الرفيع، الذي دونته الأقوام المتعاقبة لمعتقداتها الروحية، وتعاليمها القانونية وخصائصها العلمية، ولمستوى أدبها الرفيع.

والإصرار على أن ما يُكتب يجب أن يخضع لمقاييس ومميزات لابد من توفرها هو إصرار قديم قدم تفكير الانسان في الكتابة وإكتشافه لأدواتها.

فإذا تجاوزنا تعاليم الحضارات السابقة وما دونته بهذا الصدد ، كالحضارة المصرية، والعراقية، والصينية، والهندية، فلابد لنا من وقفة أمام الحضارة الاغريقية … ولنتجاوز قليلاً أيضاً بداياتها .. أي إبتداء من محاورات ( سقراط ) و( السفسطائيين ) وما تلاهما إلى المرحلة ( الأفلاطونية ) ، لنقف أمام مرحلة المعلم الأول (أرسطو) ولننظر في كتابه ( فن الشعر) الذي يعد بحق دستوراً لمن فرضت الكلمة عليه نفسها ، لتصبح مقياساً للرقي .

وحتى عندما بادت حضارة ( الأغريق ) وتلتها الحضارة ( الرومانية )، وعلى وجه الخصوص في بدايتها – يوم كان أثر الأدب الأغريقي مازال يسري في عروق أدبائها ومفكريها أمثال “سينكا ” وغيره – كان للكلمة إحترامها، ولم يكن يسمح لكائن من كان أن يكتب .

• إلا أنه بعد مرور سنوات من بسط النفوذ الروماني ، وبعد أن فقدت المعايير الأخلاقية في ذلك المجتمع ، أصبحت الكتابة وقتذاك – مهنة كل من ” هب و دب ” ، حتى وصل الأمر إلى أن المسرح الروماني كان يقدم مسرحيات ، ويمارس فيها الممثلون أعمالاً جنسية فوق خشبة المسرح !!

مما أدى في النهاية إلى سقوط الدولة الرومانية، بعد أن وصلت إلى هذا المستوى من الإنحطاط الخلقي !!..

من كل هذا يتضح أثر ” الكلمة ” في بناء المجتمعات حضارياً وفي تدميرها في نفس الوقت .. ولهذا فإن الله جل وتبارك اختار لعباده أسلوباً سماوياً رفيعاً ..عندما أنزل على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) .. ” القلم ” .

والرسول الأعظم ، كان أمثولة رائعة يُقتدى بها في أسلوبه عندما كان يريد معالجة قضية ما ، فكان يختار الكلمة التي نستطيع أن نطلق عليها في التعبير الحديث بأنها تحمل الإطار والمضمون معاً .. حتى أفرزت مدرسته للبشرية ، كوكبة ممن تملكوا ناصية البلاغة .

وإذا عرجنا على تاريخنا العربي، سواء قبل نزول القرآن أو بعده، وأمعنا النظر في ما كان يكتب ويقال، لوجدنا أنه كان مقتصراً على الصفوة ممن يتميزون بالتعبير عن صدق مشاعرهم، وبالتجديد في إنتاجهم، وبخصوبة خيالهم .

* * *

• أيها الناس .. إنني أسوق لكم ما سلف لأستصرخ ضمائركم لتلتفتوا إلى تلك الجرائم التي ترتكب يومياً عبر وسائلنا الإعلامية، والتي يفترض فيها أن تكون نبراساً مستمراً للتوهج الحضاري، وليس ( ناقوسا ) يكاد يثقب (طبول) آذاننا من شدة نشاز ( قرعه) …

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث