أنا عشقت!

أنا عشقت!

جيهان الغرباوي

أحبته و صدقته وصارت الدنيا ( هو ) …

اصبح عندها رجلا يختصر العالم، ويعنى لها الأمان و الفرح و الأمل و الثقة و الحلم و المستقبل.

لكنه في الحقيقة كان وغدا، و ندلا، و كعادته مع كل من سبقنها في حياته، اختلق الأسباب كي يركب القطار و يولي الأدبار و يعطيها ظهره و يغادر محطتها بدون وعد او اتفاق على موعد للعودة ..

هي كانت مختلفة، لم تلعنه او تقذفه بالحجارة، بل التمست له اعذارا لم يقلها ولم يفكر فيها و تمسكت به بكل قوتها و تعلقت بيده حتى اللحظات و الثواني الأخيرة ، استجمعت جمالها و شجاعتها و تقربت زلفى بحسن ظنها و براءتها ، بكل كرم اغدقت عليه و احاطته بحبها القوى شديد الصدق و احساسها الجسور نادر التكرار ، ورغم ذلك لم تقبل لهم شفاعة عند ذلك العاشق الوغد ، الذى يجيد صناعه كلماته من العسل واللبن و الزبد الذهبي البراق، وحين يدخل بحصان طروادة إلى ما بعد الأسوار المحصنة ، تبدأ قصته المتكررة في خيانه الضحية و الغدر بالفريسة.

في واحده من أجمل الروايات العربية الحديثة ، التي وصلت للقائمة القصيره بمسابقه البوكر العربي ، و تستحق افضل الجوائز ، يروى الكاتب الدكتور محمد المنسى قنديل قصه ( ورد ) الشابه الجميلة الرقيقة صاحبه البهاء و الذكاء و الوجه الفاتن و الابتسامة المشرقة ، وقد عشقت ( حسن ) ، الذي اشتهر في قريتهم بسمعه الشاب المتعلم المناضل المثقف، المعيد بكليه الهندسة جامعه القاهرة ، انه الأستاذ .. الذى يحترمه أصدقاءه البسطاء في القرية ، و يفاخرون ويتنافسون بمدى قربهم له ، ويتوقع له الجميع المستقبل الكبير و النجاح العريض.

في لقاءهما الأخير تذهب ورد لتودع حسن عند محيطه القطار ، هى تتمزق من وجع الأبعاد و هو متجمد الإحساس يضع قلبه في صندوق ممتلىء بثلج الأنانية و الكبر .

يعطى لورد ظهره ويركب قطاره نحو العاصمة ، بينما تبقى ورد الرقيقة على رصيف المحطة تراقب القطار حتى يختفى في المدى و يعود الكل إدراجه و تغيب الشمس و يحل الليل بينما ورد في مكانها متجمده لا تغادر موقعها من رصيف المحطة وكأنها استحالت تمثالا من خشب !!

يستدعي ناظر المحطة للشرطه والإسعاف و والدها و الأصدقاء ، بعد ان فشلت كل المحاولات في أفاقت ها او رد الحياه لجسدها الميت المتسمر في مكانه لا نفس فيه ولا نبض ولا حركه ، بل موت كامل ، موت مخيف و جديد و مذهل ، انه الموت وقوفا … تجمدت الأطراف و بردت و انقطع النفس ، لكن الطبيب الشرعي الذى جاء ليتمم إجراءات شهاده الوفاه و نقل الجثه الواقفه إلى المدافن ، يكتشف فجاه ان القلب حى يدق !! القلب هو الشيء الوحيد الذي بقى حيا في تلك الفتاه .

تتعقد الأمور و الأحداث ، حتى يقترح طبيب شاب وقع في غرام ورد الرقيقة الجميلة ، ان يذهب بنفسه القاهرة كي يحضر لها حبيبها من هناك ، فهو وحده الآن القادر على ان يرد لها روحها و نبضها و ينقذ حياتها.

كان الطبيب الشاب مثاليا و طيبا و معتقدا في قدره الحب على الشفاء و المعجزات.

و في غايه البراعه و الآثاره تحكي الروايه قصه الرحلة الشاقه الطويلة لاستعاده هذا الحبيب الغائب، و نكتشف أخيرا ان حسن في الحقيقة فقد وظيفته في الجامعه من فتره طويله و دخل السجن بتهم سياسيه و تحول لشخص انتقامى و قاتل و زعيم عصابه من البلطجيه تعمل لصالح احد رجال الأعمال الكبار ، وحتى العاهره التي أقام معها علاقته الأهم في القاهرة ، قتلها في النهايه كي يحقق مصلحه مع رجل الأعمال الذي يحميه، يعني لا هو صار مهندسا ولا أستاذا ولا حتى بقي شاب صالح او شريف.

و مع ذلك يعلم بقصه ورد التي فارقتها حياتها و تجمدت مكانها من يوم ودعته في محطه القطار، فيقرر ان يعود إليها وآثار دماء آخر ضحاياه ما تزال فوق قميصه !

أراد حسن ان ينقذ نفسه و يستعيدها فعاد لورد ، و ذهب إلى حيث كانت متجمده في مكانها شبه ميته ، لا تنطق ولا تتنفس ولا تتحرك و توشك ان تتحلل مثل المومياوات …. لكنه اقترب منها .. احتضنها و قبلها بعمق و ظل يقبلها و يحضنها حتى عاد الدفء إلى جسدها الضعيف ، وعادت الحياه تلمع في عينيه هو الآخر …

فارقا مكانهما بعده خطوات نحو القرية و نحو البيت ، بينما الطبيب الشاب الذى احضر حسن يصرخ على ورده و يصارحها بحقيقه حسن و جرائمه و سقطاته و خطاياه ، بينما ورد تسمع و تكمل طريقها و هى في ذراع حبيبها لا تبالي………… !

اه ه ه ه ه ه ……. من القلب حين يعشق بحق …. حتى لو عشق القلب وغدا او ندلا او مجرما …. انه يعشق بكل قوته وإنفاسه …. يعشق للنهايه و لا يبالي باى شيء ………………… ( انا عشقت ) !!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث