رموز الدولة لا تقيم دولة!

رموز الدولة لا تقيم دولة!

يوسف ضمرة

استنفرت إسرائيل إعلامها وسياسييها لمواجهة الخطوات الأوروبية، الذاهبة نحو اعتراف أوروبي بدولة فلسطينية. ومن الواضح أن هذه الخطوات الأوروبية تأتي وفق تناغم وتنسيق مدروسين بعناية.

السويد بدأت الخطوة الأولى، بوصفها صاحبة موقف تاريخي في هذا السياق، يدعو إلى حل عادل ـ من زاوية أوروبية ـ للقضية الفلسطينية. تبعها مجلس العموم البريطاني الذي صوت بأغلبية كبيرة للاعتراف بدولة فلسطينية. ثم تأتي إيطاليا وهكذا.

موشيه يعالون خرج ليقول ردا على هذه الخطوات، إن إسرائيل لا تفكر أبدا في الموافقة على قيام دولة فلسطينية، وكل ما يمكن أن تسمح به هو حكم ذاتي للفلسطينيين في مناطق منزوعة السلاح، وتحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية برا وجوا.

ربما يشكل هذا القول ردا حازما على تحرك عباس وتصريحاته. وهو رد يستوجب ردا فلسطينيا أكثر حزما. حيث لا ينبغي للفلسطينيين الاكتفاء بالتصريحات والمؤتمرات الصحافية. بل المطلوب أولا وقبل كل شيء هو أن يخطو الفلسطينيون خطوة حقيقية نحو توحيد الجهود السياسية، وردم الهوة بين أبناء الشعب الواحد، والالتقاء على القاسم المشترك الأعظم بينهم، وهو حقوق الفلسطينيين في العودة والأرض والسيادة. وهو قاسم مشترك أعظم قادر على تهميش الخلافات الجانبية المتعلقة بالسلطة والانتخابات وما شابه ذلك. فهذه أمور تبدو شكلية في الأساس. وهي قضايا تفتقد إلى مضمون حقيقي، حيث لا سلطة عملية ولا قرارات سيادية حقيقية. ولكي يدرك الفلسطينيون ذلك، فإن عليهم التخلص من إرث الفصائلية الثقيل والعقيم، الذي أدى من قبل إلى مزالق وعرة. فلا شيء يمنع الفلسطينيين من إعادة بناء قيادتهم على أسس جديدة، أهمها مواجهة الاحتلال، والتمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وهذا يتطلب بعض التضحيات الشخصية والفصائلية والعقائدية أيضا. فلا يحق لأحد القول” أنا هو الحل” مثلا! فمكونات الشعب الفلسطيني كلها شريك رئيس في تقرير مصير الفلسطينيين، وليس هذا المصير قدرا إغريقيا في يد مجموعة فلسطينية بحكم التاريخ أو الأيدلوجيا.

ليست الدولة الفلسطينية منحة إسرائيلية، وهو ما ينبغي للفلسطينيين تظهيره عالميا. وفي هذا السياق يأتي دور الإعلام الفلسطيني والعربي الداعم. فمن الواضح أن الإعلام الفلسطيني لا يزال يئن تحت وطأة الفصائلية والأيدلوجيا والعشائرية أحيانا، في مرحلة تتطلب أقصى درجات الانفتاح على الحداثة، والتعامل معها كشرط إنساني يسِم التطور البشري كله.

لن تكون هنالك دولة فلسطينية حقيقية من خلال تنظيم انتخابات تشريعية أو رئاسية، ولا من خلال شعارات سيادية خالية من مضمونها، ولا من خلال إصدار عملة فلسطينية موحدة كما يطالب البعض. فالأهم من ذلك كله هو تحقيق السيادة الوطنية العملية، التي تعزز الشعور بالهوية الوطنية، وتشد عصب الانتماء إليها والتشبث بها وتقويتها. والسيادة لا تتحقق بانتخابات تشريعية، سرعان ما تؤكد سلطات الاحتلال نقصانها وتفريغها من محتواها السيادي، وذلك باعتقال رموزها أو التنكيل بهم. ولا يزال إلى يومنا هذا بعض أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني رهن الاعتقال، في مواجهة اتهامات إسرائيلية تعسفية. بينما تواصل إسرائيل قضم الأراضي الفلسطينية وبناء المستعمرات واستجلاب المستعمِرين.

إن إتاحة الفرصة لشخص فلسطيني بإلقاء كلمة في الأمم المتحدة، لا يمنح الفلسطينيين دولة. ولو كان الأمر كذلك لأصبحت للفلسطينيين دولة منذ العام 1974 حين ألقى ياسر عرفات كلمة أمام الجمعية العامة.

كما إن وجود مسميات كوزير خارجية أو قائد الأمن أو سوى ذلك، واللقاءات التي يعقدها بعض المسؤولين الأوربيين والأمريكيين وغيرهم مع شخصيات فلسطينية، لا تعني أن فلسطين دولة.

وعلى أي فلسطيني يجد نفسه في موقع المسؤولية، أن يأخذ في الاعتبار أن الشتات الفلسطيني يمثل ثلثي الشعب الفلسطيني، ولا يحق لأحد الحديث عن دولة أو سيادة أو حقوق ما لم يكن موضوع هذا الشتات أساسيا وعلى رأس الأولويات السيادية التي تشكل مع قضايا أخرى مقومات الدولة.

أخيرا يمكن القول إن رموز الدولة ـ بشريا وماديا ومعنويا ـ ليست دولة!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث