الدين حين يكون وظيفة

الدين حين يكون وظيفة

تاج الدين عبد الحق

تثير التقارير الغربية التي تتوقع أن يطول قتال تنظيم داعش، لعدة سنوات، الشك في نوايا الغرب، أو في جديته. لكن هذا الشك بالرغم من أنه مشروع، يظل شكا مبنيا على الجانب الميداني، وحسابات التوازن العسكري، دون أن يأخذ بعين الاعتبار، جذور المواجهة وأبعادها، ولا ارتدادات هذا القتال، وصداه في الساحات العربية الأخرى.

فصراع ضمن هذا المدى لا تحسمه المعارك العسكرية، حتى لو تم تطعيم الضربات الجوية ضد مواقع التنظيم، بعمل بري. لأن تنظيم داعش وإن بدا وحيدا في الميدان، ومتواضعا في القدرات، يحظى شئنا أم أبينا، بتأييد ودعم منظور، وغير منظور من قوى مجتمعية وفكرية في كامل دول الإقليم.

رأينا ذلك في تأييد بعض القوى السياسية والمجموعات المسلحة في ليبيا، وهو تأييد جعلنا أمام نسخة ليبية من التنظيم أو امتداد، أو محاكاة له. ورأينا ذلك في تأييد بعض المجموعات المتفرقة في الأردن والتي ترفع نفس الشعارات ونفس الرايات، وظهرت مؤشرات على ذلك في عمليات بعض المجموعات الإرهابية التي تنشط في مصر، كما كان له مريدون حتى في دول عربية وإسلامية لم يعرف عنها أنها كانت حواضن للتطرف أو ساحات له، كدولة الإمارات التي يحاكم فيها عدد من الخلايا التابعة أو المؤيدة للتنظيم.

الأخطر من ذلك أن التنظيم يحظى بتأييد مبطن، أو صريح ، من قوى تدعي الاعتدال وترفع شعار الوسطية، وهذه القوى لم تتورع عن تقديم التبرير السياسي والغطاء الفكري للمتطرفين، وهي لم تمتنع فقط، عن استنكار أو إدانة الأعمال المشينة التي يرتكبها التنظيم بحق من باتوا تحت سيطرته في العراق وسوريا، أو من أصبحوا هدفا من أهدافه في بلدان عربية أخرى، بل إنها وضعت المسألة، في بورصة المزايدة السياسية والمماحكة الحزبية.

انتقادات القوى التي تصف نفسها بالاعتدال، ما تزال على تخوم المعركة التي يشكل الجانب الفكري فيها أحد أبرز ميادينها، ومعنى ذلك أن من الصعب التعويل على هذه القوى، إذا ما فكرنا في الانتقال من ميادين المواجهة العسكرية إلى ميدان المواجهة الفكرية وهو الميدان الحقيقي الذي يحسم المعركة مع المتطرفين.

ومع الأسف فإن أدوات المواجهة الفكرية التي تمتلكها الأنظمة السياسية في المنطقة هي أدوات بالية، أو مشكوك في فعاليتها وصلاحيتها. فمعظم الرموز، والدوائر التي كلفت بمواجهة الفكر المتطرف، تفعل ذلك بمنظار وظيفي، يشوبه الضعف، ويقوم على ترديد مقولات مكررة وحجج غير مقنعة.

لقد فقد الخطاب الديني الرسمي الكثير من تأثيره وفعاليته، لأن الخطاب لم يجدد نفسه، ولم يستطع أن يقدم بديلا جامعا. وصيغة حاكمة، وبدلا من أن يكون ملاذا من الغلو والتطرف، أصبح هو نفسه طرفا في المواجهة.

ويخطيء من يظن أن ما يصدر عن المؤسسات الدينية الرسمية، قادر على حسم المواجهة الفكرية المنتظرة مع المتطرفين. فهذه المؤسسات بذاتها بحاجة إلى تجديد وتحديث، بحيث تكون قادرة على التفاعل بشكل مستنير مع قضايا الناس وهمومهم، بعيدا عن صيغ التحريم والتحليل الجاهزة، التي وضعت هذه المؤسسات ضمن قوالب عمل جامدة، سهلت اختطاف الدين من قبل المجموعات المتطرفة، والقوى المسلحة التي تعمل بإمرتها أو تنفذ أجنداتها.

المشكلة إذن لا تقتصر على القوى المتطرفة، التي تحولت إلى مجاميع إرهابية في العديد من الدول العربية والإسلامية، بل تشمل أيضا كل القوى التي تناهض التجديد والتحديث بما في ذلك بعض المراجع الدينية الرسمية، التي جعلت من الدين وظيفة رسمية تضمن لها امتيازات وتعطيها سلطات.

المواجهة مع داعش ومثيلاتها ستطول ولا شك، فالأعمال العسكرية الجارية في سوريا والعراق وإن كانت هي الجزء الظاهر، من تلك المواجهة، والأسهل فيها، فإن المواجهة الحقيقية، المقبلة ستكون مع كل القوى التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه بما في ذلك المؤسسات الدينية الرسمية التي لا تزال تحظى بالحصانة والحماية الرسمية، وهي حصانة تعقد فرص احتواء التطرف ناهيك عن فرص الانتصار عليه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث