الجرائم العاطفيّة.. من يُعاقِب عليها؟

الجرائم العاطفيّة.. من يُعاقِب عليها؟
المصدر: وئام غداس

(تركتني هامة فجأة دون إنذار، بعد علاقة دامت سنتين كنت أظنّها أبديّة.)

هكذا يفتتح الكاتب اللبنانيّ “رشيد الضعيف” روايته قبل الأخيرة “أوكي مع السلامة” والتي تدور أحداثها حول البطل “حبيب” الذي هو الراوي في نفس الوقت، فيبدو للقارئ أنّه بصدد الاستماع إلى يوميات أو حكاية هذا الرجل الستينيّ، هذا لو جاز تسميتها حكاية بالمعني الحقيقيّ للكلمة، غير أن الحال ليس كذلك فالرواية عبارة عن مراوحة بين حاضر البطل وماضيه القريب والبعيد، حاضر يواجه شيخوخة داهمة عبر علاقة عاطفيّة لم تدم مع أنّه ظنّها أبديّة.

تبدأ الرواية بفاجعة إذن حين تتصل “هامة” بحبيب لتبلغه دون مقدّمات عن قرارها بالانفصال عنه (لقد وجدتُ الشخص الذي يناسبني أكثر!) وكأيّ رجل نبيل لم يكن منه سوى أن ردّ (أوكي.. مع السلامة)، هذا الجواب البارد ليس تعبيرا حقيقيا عن موقف “حبيب” وليس انعكاسا حقيقيّاً لحجم الأذى الذي لحقه.

تحدّث الراوي عن معاناته إثر تخلّي امرأته عنه، عبّر عن ذلك بالتصدّع وأكاد أجزم ان لا أحد في الكون لم يتعرّض لصدمة عاطفيّة، لكن من ذهب به التفكير أنّ الآخر كان ينوي قتله! يقول الضعيف: (حسبتها محاولة إغتيال، إذ لا يمكن التعامل بهذه الخفّة مع رجل مسنّ. إنّها محاولة تصفية بالمعني الحرفيّ للكلمة) وبناءاً على هذا التحليل يتّخذ قراراً خطيراً،وهو رفع قضيّة ضدّ “هامة!

يعتمد الضعيف في جزء من روايته حواراً مباشراً ومفترضا مع القاضي يستهلّه كلّ مرّة بنداء يشبه إستغاثة الغريق: (يا سيدي القاضي) من القاضي؟ من يقضي ويقتصّ ويحكم بالعدل في جريمة عاطفيّة؟ هنا تكمن ريادة رشيد الضعيف داخل هذه الرواية.

جمع البطل كلّ الوثائق التي ستساند قضيّته: الرسائل المكتوبة والتى تعلن فيها امرأته عن حبها له ورغبتها الواضحة في إقامة علاقة دائمة معه،ومع الرسائل يستند “حبيب” إلى تقريرين طبيين،أجرى الأوّل عندما أصبح يفكّر بجديّة في الإنجاب من “هامة” من بينها بيان لدقات القلب الذي كان طبيعيا مئة بالمئة، لكن البيان الثاني والذي أجراه بعد تركها بأيام فقط يبيّن أنه بات مصاباً باضطراب حادّ في دقات قلبه.

“حبيب ” الذي يتألّم لا يطالب سوى بالعدل بعدما أصيب في نفسه وفي جسده وفي أخلاقه لا يريد سوى محاسبة من أضرّ به لكن قضيّته تذهب أدراج الريح ويطويها النسيان، يجد نفسه في النهاية بمواجهة الوحدة والشيخوخة والتوجّس الدائم من الخرف الذي يعرضه من خلال والدته التي لا تكبره إلا بست عشرة سنة فقط. الهواجس التي تغذّت من صدمته العاطفيّة والتى تحوّل فيها الغضب إلى حزن يتغلغل في أنحاء روحه وجسده لأنّه رغم ذلك أيضا لم يحاسب الذي أطاح بأحلامه وصحّته وهدوءه، يبقى السؤال الوحيد القائم: إذا كانت الأضرار النفسيّة أحيانا تكون أبلغ وأخطر من الأضرار الجسديّة، لماذا خدش صغير في الظاهر يكلّف عقوبة في حين جريمة قتل مكتملة الأركان لكنّها باطنة لا ينتبه إليها أحد ولا تحكمها قوانين؟ مشاعرنا من يحميها؟

السؤال: الجرائم العاطفيّة – عمليّاً – من يعاقب عليها؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث