“ريتك ما تِكبـَـرْ ..!”

“ريتك ما تِكبـَـرْ ..!”
المصدر: نظير مجلي

يحتفل اليهود هذه الأيام بعيد العُرش. ووفقا للتقاليد الدينية اليهودية، يجب على اليهود ان يتركوا بيوتهم الثابتة طيلة أيام العيد السبعة ويسكنوا تحت عرائش مصنوعة من القش، لأن هذا العيد يرمز الى تشرد اليهود في سيناء بعد اضطرارهم للخروج من مصر وسكناهم تحت عرائش القش طيلة سبعة أيام.

والعريشة في هذا العيد، حسب اليهودية، تعيد البشر من جديد الى الطبيعة، بالذات في فترة تغير الفصول، عندما يودعون فصل الصيف ويستقبلون فصل الخريف. وهذا يرمز الى الخروج من وهمية الثبوتية إلى واقع المؤقت، الذي يذكر الانسان بأنه مجرد مخلوق عابر في هذه الدنيا. فعندما تطل النجوم على المحتفلين من بين أوراق العريشة، تذكرهم بأن هناك

طبيعة أقوى منهم. وبأن هذه الطبيعة قد تعصف ببيوتهم وعماراتهم وقصورهم وتقذف بهم من جديد الى البدايات، حيث لا يظللهم من الحر والبرد سوى سقف من القش الهش. العريشة تكسر الجدران وتبقيك عاريا في وجه السماء، فتلجأ إليه سبحانه تتضرع إليه أن يحميك من كل ضرر.

بالطبع، أقلية نادرة من اليهود تلتزم بشروط العيد. فلا أحد يبيت تحت العريشة. ولا أحد يكترث لرسالة العيد ومغزاه. ولو كانوا يقبلون أحكام التوراة لهذا العيد وغيره، لكانت حياتهم في بلادنا مختلفة تماما ولكانوا عاشوا بسلام وجيرة حسنة، بلا احتلال ولا قمع ولا حروب فتاكة لشعبنا الفلسطيني او غيره.

ولكن، هل يحق لنا نحن العرب عموما والمسلمين خصوصا أن نلوم اليهود وننقدهم، ونحن الذين احتفلنا فقط في الأسبوع الأخير، بعيد الأضحى المبارك بالطريقة نفسها؟ فكم منا يعرف ما هو مغزى عيد الأضحى؟ وكم منا يلتزم برسائله الدينية البليغة؟ وهل حال العرب والمسلمين في عيد الأضحى، كان ملائما لأحكام الدين؟

الشيخ عبيد الله القحطاني يقول وهو يعرفنا على عيدنا، إن “العيد في معناه الديني شكر لله على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه فحسب ، ولكنها تعتلج في سرائره رضا واطمئنانا ، وتنبلج قي علانيته فرحا وابتهاجا، وتسفر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس والطلاقة، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة. والعيد في معناه الإنساني يوم تلتقي فيه قوة الغني ، وضعف الفقير على محبه ورحمة وعدالة من وحي السماء ، عنوانها الزكاة والإحسان. والعيد في معناه الزمني قطعة من الزمن خصصت لنسيان الهموم ، واطراح الكلف ، واستجمام القوى الجاهدة في الحياة . والعيد في معناه الإجتماعي يوم الأطفال يفيض عليهم بالفرح والمرح ، ويوم الققراء يلقاهم باليسر والسعة ، ويوم الأرحام يجمعها على البر والصلة ، ويوم المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور ، ويوم الأصدقاء يجدد فيهم أواصر الحب ودواعي القرب ، ويوم النفوس الكريمة تتناسى أضغانها ، فتجتمع بعد إفتراق ، وتتصافى بعد كدر ، وتتصافح بعد انقباض”.

ويضيف سماحته: “في العيد تظهر فضيلة الإخلاص، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة، وكأنما العيد روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها. في العيد تتسع روح الجوار وتمتد، حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي”.

فأين نحن من هذه القيم؟ أين نحن من أطفال سورية والعراق واليمن وليبيا وفلسطين، عندما يسألون عن مغزى العيد؟ أين نحن من أيتام الحروب المستحكمة فينا ومباذل التشريد والتجويع والاغتصاب وقطع الرؤوس؟

في عيد الأضحى نستذكر قصة سيدنا ابراهيم الخليل، الذي أراد أن يضحي بولده اسماعيل في سبيل الله، فأرسل اليه أحد الأغنام ونجا الولد. وفي عصرنا نقلب القصة على رأسها. فالله يطالبنا بالتضحية بالأغنام ونحن نضحي بالبشر. ولا نخجل في الصراخ هاتفين من قحف الرأس، مع كل قذيفة فتاكة .. “الله أكبر”.

عن هذا كانت جدتي تصيح: “الله ريتك ما تكبر..!”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث