غلطة الشاطر بايدن

غلطة الشاطر بايدن
المصدر: تاج الدين عبد الحق

لا يكفي اعتذار الولايات المتحدة، لإصلاح ما أفسدته تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، بشأن دور بعض دول الخليج في سوريا، واتهامه لهذه الدول بتمويل المجموعات المتطرفة هناك.

فالاعتذار مهما كانت دوافعه، وأيا كنت مبرراته ، ومهما كانت صدقيته، يدخل في خانة التخبط ، والتردد اللذين، اتسمت بهما السياسة الأمريكية، في المنطقة.

واشنطن تعلم أكثر من غيرها ، أن تجييش وتسليح وتمويل المجموعات المتطرفة، هو وصفة أمريكية بامتياز، ولدينا شواهد تاريخية ودلائل عملية على ذلك في أكثر من مكان حول العالم. وهي عندما تتهم الغير، تفعل ذلك إما دفاعا عن نفسها، أوتبريرا لفشلها في إدارة حربها على الإرهاب، أومحاولة لتحميل هذا الفشل للآخرين.

قد لا تكون دول الخليج بريئة، من تهمة توفير بيئة للإرهاب، أو توفير تمويل لبعض المجموعات المتطرفة، وقد يكون من واجب هذه الدول بذل المزيد من الجهد، وإبداء المزيد من الجرأة في محاربة الفكر المتطرف، وضرب مصادر تمويله، لكن هذه الدول كانت ضحية، من ضحاياه المباشرة، وهي عندما أبدت استعدادها للمشاركة في الحرب العالمية على الإرهاب لم تفعل ذلك من قبيل تبييض الصفحة، أو إبراء الذمة، بل من باب الإحساس بالخطر، واستشعار التهديد.

الكلفة التي تدفعها دول الخليج، في هذه الحرب أكبر بكثير، من الكلفة التي تدفعها الإدارة الأمريكية . فدول الخليج تحارب في أرضها، وعلى حدودها، وتدفع الثمن من أمن مواطنيها واستقرارهم ، وتستنزف في هذه الحرب، الكثير من مواردها البشرية ومقدراتها المادية ، ولذلك فإن اتهامها بدعم الإرهاب، وتمويله، هو تشكيك في غير محله، ومحاولة غير مقبولة، لضرب مصداقية دول المنطقة وجديتها في محاربة الإرهاب، بل هي في العمق شكل من أشكال الإرهاب السياسي.

الفرق بين الإدارة الأمريكية ودول الخليج، أن واشنطن تستخدم الإعلام لتضخيم دورها في محاربة الإرهاب، وفي الإيحاء بأنها الضحية الأولى له، وهذا يذكرنا بأسلوب الولايات المتحدة في تضخيم مساعداتها لدول العالم الثالث، حين اعتادت أن تصرف على الدعاية أضعاف قيمة ما ترسله من مساعدات.

في الحرب على الإرهاب تفعل واشنطن الشيء نفسه مع اختلاف المسميات. ولو عقدنا مقارنة بالورقة والقلم، بين ما تفعله دول الخليج والولايات المتحدة في الحرب الحالية على الإرهاب، لرجحت كفة دول المنطقة، ولبانت عورة واشنطن، وظهر تخبطها.

فدول الخليج وإن استخدم بعضها الدين كسلاح سياسي، لم تفعل ذلك سعيا لنفوذ أو تحقيقا لمكسب. وكان هذا السلاح، لعقود طويلة محصورا بالهموم والحسابات الداخلية لدول المنطقة، وقلما استخدم في مواجهة الخصوم، وحتى لو استخدم في مثل تلك المواجهات، فإن استخدامه كان استخداما سياسيا، بعيدا عن أي شكل من أشكال العنف. أما واشنطن فهي من أعطته دورا أكبر، ووظفته بما يتجاوز الأقليم، وهي التي وفرت له أنيابا عسكرية، عندما دعمت بعض القوى الإسلامية المحلية، وأدخلتها في صراعات الحرب الباردة وكانت ذروة ذلك، تمويل المجموعات الأولى التي ذهبت إلى أفغانستان تحت ستار مقاومة المد الشيوعي، لتعود تلك المجموعات للمنطقة العربية وقد أصبحت لها أجندات سياسية وتوفرت لها مقدرات عسكرية، ومصادر للتمويل والإمداد، أكبر بكثير من تلك التي كانت تحملها عندما سافرت إلى هناك.

واشنطن هي أيضا من وظفت الحرب على الإرهاب توظيفا سياسيا، بعد أن فشلت أو تلكأت في حسم تلك الحرب. وبدلا من أن تكون الحرب على أفغانستان بداية الحسم أصبحت منطلق المواجهة، التي سرعان ما امتدت واتسعت لتضرب حتى في أماكن لم تكن على خريطة المجموعات الإرهابية.

ووجدنا الإرهاب الذي ذهبت واشنطن لحربه في تورا بورا، يتمدد وينتشر، ويرتد للمنطقة العربية متخذا منها مراكز، لجولات وصولات جديدة، أعتى وأصعب، من كل الجولات السابقة.

الإدارة الأمريكية التي باتت تستعجل الدول العربية في الخليج، فتح المعركة مع الفكر المتطرف والمؤسسات الحاضنة له، لا تتورع هي نفسها باسم دعاوى حقوق الإنسان والديمقراطية عن احتضان ورعاية بعض قوى الإسلام السياسي، لتكون رأس حربة لماتصفه أدبياتها السياسية بالفوضى الخلاقة، وهي الفوضى التي جعلت من الدول العربية بيئات حاضنة لكل أشكال وأنماط التطرف.

بغض النظر عن صدق الاعتذار الأمريكي ، فإنه في أحسن الأحوال غلطة شاطر، وهي بألف من أغلاط الآخرين، ودول الخليج وإن قبلت الاعتذار، لا تستطيع قبول تصريحات بايدن على أنها غلطة، بل تعبير عن مشاعر دفينة تثير الشكوك، وتستوجب الحذر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث