إيماءة باسيل ودجل اللبنانيين

إيماءة باسيل ودجل اللبنانيين

مارلين خليفة

من يتتبّع الإنتقادات اللاذعة التي تعرّض لها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في اليومين الأخيرين بسبب إيماءة إيحائيّة قام بها أمام نظيره الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في نيويورك مشيرا إلى دبلوماسيّة لبنانية رصينة ومحترمة بأنها “سيدة جميلة”… مبالغ بها.

صحيح بأنّ تصرّف الوزير اللبناني ليس راقيا بالمعايير السلوكية عامّة ونظرا إلى الموقع الرسمي الذي يتبوأه كممثل للدبلوماسية اللبنانية في الخارج، لكنّ ردود الفعل المستهجنة والمبالغ بها تصلح لتكون هي الحدث وليس “فعلة الوزير” التي لا يمكن وصفها إلا بـ”الخفيفة” والتي لا تؤذي إلا صاحبها ولا تتعدّاه إلى عرض نساء لبنان وشرف الوطن وربّما الأمّة جمعاء!

فقد ذهبت بعض التعليقات من صحافيين وإعلاميين ومعلقين عبر وسائل التواصل الإجتماعية حدّ وصف سلوك باسيل بـ”الفظيع” و”بالفضيحة” و” بـ”المهين للنساء” وذهب البعض حدّ التشجيع على رفع دعوى نسوية ضدّه، ووصلت مواصيل آخرين حدّ مطالبة رئيس الحكومة تمّام سلام بمحاكمته وإقالته من الحكومة بذريعة إهانة منصبه.

من يحضر شريط الفيديو الرديء يرى مشهدا قد يحصل يوميا في أيّ مقهى أو وزارة أو مكتب رسمي، بغضّ النّظر عن شخص باسيل فإنّ السلوك الذكوري في لبنان تجاه النساء غير لائق في كثير من الأحيان، وينسحب الأمر على أماكن العمل، ويطال فئات الرجال كلّها من بوليس البلدية إلى أرفع مسؤول…وتتفاوت فظاعة السلوك الذكوري بحسب ذكاء الرجل و”قدراته الدبلوماسية” على تغليف سلوكه بلياقات هي غالبا مصطنعة.

تتعرّض النساء العاملات في لبنان لتحرّشات يومية وخصوصا لفظيّة أو عبر الإبتسامات الإيحائية والتعليقات الملمّحة دوما إلى جسدها وقدرتها على جذب الطرّف الآخر. ولعلّ اماكن العمل هي أكثر الأماكن غير الآمنة للنساء. وقد بات معروفا بأنّ ترقّي المرأة في مهنتها لا يتمّ في أحيان كثيرة إلا بدعمها من قبل رجل قدّمت له “تنازلا ما” فيتبناها ويحقق لها طموحاتها.

هذا الواقع لا ينطبق إلا على جزء من النساء لكنّه موجود وبقوّة، إلى درجة أنّ ثمّة نساء بتن تستسغن هذا الأسلوب السهل وتغذّين سلوك الرجال تجاههنّ. في المقابل ثمّة نساء عاملات بكدّ وبعصامية ومتسلّحات بالمهنية والأخلاق لكنّهن تدفعن يوميا ثمنا باهظا لقاء احترامهنّ لذواتهنّ ولأنوثتهنّ ولكيانهنّ كإنسان كامل يتعاطى بندّية مع الطرف الآخر وخصوصا في العمل، هؤلاء النساء تتعرضن لشتى أنواع الإقصاء وصعوبة الترقية واستحالة حيازة إمتيازات مادية أو معنوية وتتقبّلن ذلك بصمت.

إلى ذلك، فإنّ المرأة اللبنانية تتعرّض يوميا للإهانة الكلامية اللاذعة من قبل الذكور في حال تجرّأت وعبّرت عن رأيها بجرأة أو انتقدت أحدهم وغالبا ما يتمّ تعييرها بشكلها أو رميها بشتيمة تطال أمها أو أختها أو تنعتها بأقذع الأوصاف إن تخطّت حدودها…وقد يصل الأمر ببعضهم حدّ تعنيفها جسديا.

من هنا تكبر علامة الاستفهام من الاستهجان المبالغ فيه على تصرّف باسيل غير اللائق بكلّ المقاييس.. لكنّ هل من ينتقدونه هم أفضل منه أم أسوأ؟

لقد أخطأ باسيل بتصرّف غير لائق إجتماعيا وسياسيا لكن من يحاسبه ليس منزّها عن سلوك مماثل، ما يعني بأنّ الحملة المنظّمة ضدّه هي سياسية بامتياز ولا مجال للخوض بتفاصيلها وقد زكّتها شخصية باسيل الصعبة وغير القريبة من الناس.

بأي حال… فإنّ إيماءة الوزير باسيل هي تعبير عن سلوك مستخفّ بالمرأة اللبنانية يقوم به الرجال يوميا سواء بكلمة أو بإقصاء أو بتلميح أو بابتسامة أو بلمسة في بعض الأحيان. يختبئ المجتمع اللبناني وراء الكلام والتنظير بالعفّة، يتجاهل من يخطئ وراء الستار ويرجم من يخطئ علانية وبلا رحمة، ولا بدّ من استعادة عبارة قالها السيد المسيح عن مريم المجدلية، السيدة الخاطئة التي أراد اليهود رجمها حتّى الموت فاستجارت به فسألهم: من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر! عندها لم ينبس أيّ منهم بكلمة وغادروا تاركين مريم المجدلية تبكي لوحدها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث