الصحفي الشقي

شهور قليلة، كانت كافية،لا لحفر اسمه في تاريخ الصحافة الاماراتية فحسب ، بل وفي امر آخر غير مألوف في ذلك الوقت، وهوظاهرة الشيشة.

الصحفي الشقي

تاج الدين عبد الحق

الشقاوة هنا ليست توصيفا ، بل جزءاً من هويه. بها عرفته الاوساط الصحفية، وبسببها نال شهرة عريضه أدخلته دوواين الحكام أحيانا ، وأنزلته غياهب السجون مرارا . هذا ما كنت أعرفه عن محمود السعدني ، عندما قابلته لأول مرة في ابوظبي في أواسط السبعينات.  كانت مذكرات “الواد الشقي” التي أرخت لمسيرته الصحفية،  طازجة في أذهاننا. خيل إلي وأنا أستمع له وجها لوجه ، أنني أقرأ من كتاب،  فأسلوبه في الحديث، لا يختلف عن اسلوبه بالكتابة . خلال دقائق من لقائي الأول به، كسر حاجز الشهرة،  وفارق العمر، الذي يفصلنا عنه،  مطلقا النكات حينا،  والتعليقات حينا آخر.

 

جاء محمود السعدني لإول مرة ضيفا على الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي كان يعرفه منذ كان الحاكم طالبا في القاهرة . قيل وقتها أن السعدني  سيعين  مسؤولا عن قسم الاعلام التربوي،  في وزارة التربية والتعليم  في عهد أول وزير لها وهو الدكتور عبد الله عمران تريم ، الذي يرأس حاليا  دار الخليج .  بدا الأمر غريبا لمن يعرف  تاريخ السعدني،  فالوظيفة ليست على مقاسه لا شكلا ولا مضمونا ، وأذكر أنني  سألته عن ذلك  ، فرد بعبارة ساخرة ، تزخر بمفردات يطالها أكثر قوانين النشر ليبرالية، وإنفتاحا   . تبين أن مجيئه لأبوظبي كان تلبية للعمل في دار صحفية جديدة كمدير للتحرير ، وهو عرض قبله،  ليوم واحد،  وتراجع عنه في اليوم التالي.  وقد روى لي قصة العرض،  وسبب التراجع، عندما التقيته في بغداد بعد ذلك بسنوات فقال : (سألني صاحب الدار ونحن نتفق على تفاصيل العقد عما إذا كنت ارغب السكن في شقة أم فيلا ، وعندما ابلغته بأنني أفضل الفيلا ، نادى على أحد مساعديه وقال له إبنِ للاستاذ محمود فيلا ، فكانت ردة فعلي التلقائية  ترديد عبارة ” أبشر بطول سلامة يامربع” ، — وهو  شطر بيت هجاء الفرزدق ، عندما توعد مربعا بالقتل–، لينتهى امر العرض  ، ولأخرج من الدار ، غير آسف،  وبلا رجعة ).

 

بعد ذلك تلقى السعدني عرضا أكثر جدية من عبيد المزروعي وهو شاعر ورئيس تحرير لجريدة الفجر ، حيث وفر له إمكانيات تطورت من خلالها الجريدة بشكل واضح،  خاصة بعد أن بدأ السعدني يكتب فيها زاويته الشهيرة ( هذا الرجل  ) . لكن عمله في الجريدة لم يدم سوى شهور قليلة،  كانت كافية ، لا لحفر اسمه في تاريخ الصحافة الاماراتية فقط،  بل في امر آخر غير مألوف في ذلك الوقت  وهو ظاهرة  الشيشة التي كان أول من أطلقها في ابوظبي وربما في الامارات ككل . إذ استطاع خلال تلك الفترة القصيرة،  وبسبب حبه،  وإدمانه  للشيشة،  إقناع أحد  معارفه المصريين،  بفتح مقهى لتقديم الشيشة  ،  بمساعدة صحفي مصري مخضرم  مقيم في ابوظبي ، هو عبد الفتاح الفيشاوي الذي كان  يعمل في مجلة درع الوطن التي تصدرها القوات المسلحة الاماراتية  ،  وفتح المقهى بالفعل واطلق عليه مقهى الفيشاوي ، الذي سرعان ما أصبح ملتقى للصحفيين وبعض الفنانين  من أصدقاء ومحبي السعدني ممن  كانوا يأتون لتصوير أعمال فنية،  لتلفزيوني ابوظبي أو دبي،  حيث كانوا يتجمعون ،  في جلسات يتنقل الحديث خلالها  بين الصحافة،  والفن والثقافة وذكريات في السياسة ، وتمتد إلى الفجر في بعض الاحيان . وسرعان ما انتقلت تجربة الشيشة لإماكن اخرى ،  لتصبح خلال سنوات ظاهرة تتنامى بسرعة مذهلة ، رغم محاولات التقنين والحظر .

 

لم يطل المقام بالسعدني في ابوظبي، إذ سرعان ما انتقل إلى الكويت التي كان يتردد عليها لطباعة جريدة الفجر ، وقد عمل السعدني في جريدة السياسة وكان من اول مقالاته،  مقالا سخر فيه من تجربته مع الصحافة الاماراتية  ،وقد رددت أنا  عليه ،  بمقال  طويل عنوانه “من الذي يحاصر صحافة الامارات” ،  ونشرهذا  الموضوع على صفحة كاملة في جريدة السياسة مع مقدمة كتبها مدير تحريرها  في ذلك الوقت مصطفى ابو لبدة،  ولا زلت احتفظ بنسخة من ذلك المقال الذي جعل لي علاقة استمرت سنوات مع الولد الشقي ، الذي ظل شقيا حتى هزيع حياته الأخير  .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث