مبادرة السلام العربية..!

مبادرة السلام العربية..!

نظير مجلي

تصريحات بنيامين نتنياهو، بأن “مبادرة السلام العربية لم تعد ملائمة لعصرنا، لأنها كتبت في وقت لم تكن فيها داعش قائمة ومسيطرة على الجولان”، جاءت لتكشف الكثير من المستور ليس فقط في سياسة نتنياهو وليس فقط في أخطار المرحلة التي نعيشها، بل أيضا في أهداف هذه الحركة ومثيلاتها من عناصر التطرف الأعمى.

بالطبع، نتنياهو ليس مقياسا لشيء، وإذا كان هناك شيئا لا يلائم عصرنا فهو نتنياهو نفسه ورفاقه في معسكر اليمين الأهوج. فهذا الرجل لم يوافق على مبادرة السلام العربية في يوم من الأيام. بل تجاهلها منذ طرحت في مطلع العقد الماضي. لم يرها مناسبة على الاطلاق في أي وقت واي ظرف. لقد رفضها من اللحظة الاولى واعتبرها تهديدا لسياسة تياره اليميني المتطرف. وارتعد خوفا منها عندما تحولت من مبادرة سعودية الى مبادرة شاملة تلتف حولها الدول العربية جميعها ومن ثم الدول الاسلامية. وسعى بكل قوته الى نسيانها وإنزالها عن بساط البحث.

فهو من القادة الاسرائيليين الذين يفضلون رؤية زعماء العالم العربي ينادون بإبادة اسرائيل، كما حصل في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي، الأيام التي كان فيها المرحوم أحمد سعيد يصيح من إذاعة “صوت العرب”: “اسرائيل الى البحر، فهنيئا لك يا سمك”، وكانت فيه اسرائيل تلقي بالفلسطينيين في الصحراء. نتنياهو ورافقه في اليمين المتعصب كانوا يقبضون ثمن التصريحات العربية بأموال طائلة وأسلحة هائلة ودعم سياسي غير محدود. وساد المواطنين في اسرائيل قلق حقيقي من خطر الابادة. وعلى هذا القلق بنت حكومات اسرائيل سياستها وحروبها وأسست لسياسة تخويف دائم للمواطنين من الخطر العربي لم يتوقف حتى يومنا هذا. والكثير من الزعماء العرب – الوطنيين جدا والمؤمنين جدا – تبرعوا بتقديم الحجج والذرائع للقادة الاسرائيليين الذين روجوا لسياسة الترويع هذه. فانقلبت المعادلة وصار الاحتلال العدواني ضحية والشعب الفلسطيني المشرد والمحتل معتديا.

ولكن القادة العرب صحوا واستيقظوا. الكثيرون منهم أدركوا هذه اللعبة وكفوا عن سياسة استعراض العضلات الكاذبة. وأطلقوا مبادرة السلام العربية لتضع الأمور في نصابها. ومنذ اطلاقها وحتى اليوم وهي تشكل تحديا لسياسة الاحتلال وتكشف وجهه الحقيقي. وهو يفتش من جهته عن شيء عربي آخر يعيد المعادلة السابقة، التي تظهر المعتدي ضحية. وطبعا يجد.

ولو كان الأمر بيد نتنياهو، لكان توج داعش وجبهة النصرة وحماس وغيرها من هذه القوى على عروش الدول العربية. فالخطاب السياسي لهذه الحركات يخدم السياسة الاسرائيلية اكثر من كل نشاط وزارة الخارجية الاسرائيلية عبر تاريخها. وممارساتها المسلحة تخفف من بشاعة الممارسات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وتسهل على اسرائيل استمرار احتلالها واستيطانها وتهويدها للقدس وغيرها من الأرض الفلسطينية.

إذن، تصريحاته ضد مبادرة السلام العربية لا تقدم ولا تؤخر شيئا. فهو معاد لها طول الوقت، وما يفعله اليوم هو انه يستخدم وجود داعش وامثالها من الحركات الاسلامية المتطرفة لخدمة مشروعه لتخليد الاحتلال. وهذا ليس صدفة. فبالاضافة الى العديد من المهام التي تؤديها هذه القوى المتطرفة ضد مصلحة الاسلام والعرب على الأرض العربية والكونية، هناك مهمة لا تقل دنسا وخطورة هي انها تخدم سياسة نتنياهو في التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ولعملية السلام المنشود في الشرق الأوسط.

فلو لم يكن هناك متطوعون عرب لإنشاء داعش، لقام نتنياهو بنفسه بإنشائها ورعايتها ورعرعتها وإحاطتها بالعز والدلال. وليس فقط داعش. كل ما تحمله هذه الحركة ومثيلاتها من أفكار وكل ما تروج له من قيم أخلاقية بل غير اخلاقية وكل ما تقوم به من ممارسات اجرامية ضد الانسانية جمعاء وضد المواطنين الأبرياء (وليس فقط الصحفيين الغربيين)، يخدم وبشكل هائل السياسة الرسمية لحكومة اسرائيل اليمينية. انها تحقق لنتنياهو يريد ان يظل في نظر العالم “الضحية التي تتعرض لخطر التهديد والابادة”. فهذا يغذي سياسة التخويف التي ينشرها في صفوف المواطنين الاسرائيليين، ويساعده على تضخيم ميزانية الحرب في جيشه ويبرر له الحروب العدوانية التي يشنها على الفلسطينيين بمعدل مرة في السنتين ثلاث. الصاروخ الغبي المتخلف الذي ينطلق من قطاع غزة باتجاه اسرائيل يخدمه، فيدير حرب تدمير ضد غزة بلا اعتراض دولي حقيقي. وتهديدات داعش، التي لا تتطرق لاسرائيل، تقوي خطابه الاحتلالي، فيعلن ان “العرب يرون ان اسرائيل ليست العدو الأبدي”. فيطالب بأن يكون شريكا في الحرب عليها. ومحاولاتها تدمير الدول العربية، تجعل نتنياهو يرى في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني مسألة ثانوية، تجعله يسقط حتى مبادرة السلام العربية، بهذا الصلف الفظيع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث