مِحنة غاليلو التي تطاردنا

مِحنة غاليلو التي تطاردنا

يوسف ضمرة

ترافق سقوط صنعاء بيد الحوثيين والقوى المتحالفة معها، مع بدء الغارات الأمريكية العربية على الإرهاب في سوريا. السقوط نفسه يشبه سقوط العزيزية الدراماتيكي والمفاجئ. لم يتحرك أحد. لم نسمع شيئا من السعودية وحتى أمريكا.

نحاول دائما أن نتخلص من نظرية المؤامرة، ولكن الأمر يشبه محنة غاليلو حين قال بدوران الأرض. حينها أحضرته الكنيسة وأخذت عليه عهدا بان يكف عن مثل هذا القول تحت طائلة التهديد بالقتل، فوافق. وحين خرج إلى باحة الكنيسة رفقة بعض الرهبان، توقف وأطرق برأسه ثم قال باستنكار” ولكنها تدور”.

كيف يمكن أن نفهم تسليم السعودية بسقوط صنعاء؟ أو لنقل صمتها في الأقل؟ ألم تكن هي السعودية نفسها التي قاتلت الحوثيين وساهمت في قصفهم قبل سنوات قليلة؟

قبل يومين كان هنالك اجتماع سعودي إيراني، على أن يتبعه اجتماع آخر. الطرفان أعلنا أنهما متفقان على محاربة الإرهاب. وأمريكا نفسها أعلنت أن لإيران دورا في مكافحة الإرهاب، بعد أن كانت تقول وتؤكد أن إيران خارج هذا الميدان.

يبدو المشهد في اليمن معقدا تماما. هنالك الحراك الجنوبي، والقاعدة، والحوثيون، والإصلاح، وبقية القوى الأخرى. الحوثيون الذين أعلنوا النصر واحتفلوا به يقولون إن لليمن رئيسا شرعيا هو أبو بكر هادي. كيف؟ وكيف سيشكل حكومة والحوثيون يحتلون البلاد، وقد انضم إليهم الجيش والقوى الأمنية؟

ظلت أمريكا تماطل وتتقدم خطوة ثم تتراجع خطوتين في الأزمة السورية، إلى أن حان الوقت الذي لا يعرف أحد غيرها صوابيته ودقته أو خطأه. لا يتعلق الأمر بتهديد داعش المزعوم كما يصور الإعلام العالمي. داعش ليست أكثر من مجاميع تائهة وحمقاء ممن تقطعت بهم سبل الحياة في بلدانهم. داعش مجرد عربات وقوافل تمتد أميالا في صحراء عارية، لا يتطلب القضاء عليها تحالفا دوليا كهذا، ودولا كثيرة كما هو معلن. يبدو الأمر تشكيل إجماع دولي كما حدث في العراق وأفغانستان من قبل. هذا الإجماع هو الذي سيتيح لهذه الدول حرية الحركة، ويسكت الكثير من الأصوات المفترضة، لأن أحدا لن يجاهر بوقوفه مع الإرهاب.

تقول تقارير عالمية إن قرابة 15 ألف جندي أمريكي يرابطون على الحدود الأردنية السورية، ترافقهم مجموعات من القوات الخاصة الأردنية. ويقول الأردن إن هذا كله لحماية الحدود الأردنية من أي عمليات تسلل قد يفكر الإرهابيون في القيام بها، تحت تأثير ضربات التحالف. ولكننا ندرك من خلال تجارب سابقة، أن الضربات الجوية بالطائرات والصواريخ العابرة للقارات، لا تحسم السيطرة على الأرض. ولا بد من قوات برية هي التي تعلن بتواجدها نهاية الحرب. فهل هذه القوات الأمريكية موجودة لهذا الغرض؟ وهل سلمت روسيا بذلك مقابل أوكرانيا؟ ـ لقد أصبحت القرم روسية بين يوم وليلة ـ !

ماذا سيحل بالنظام السوري؟ هل نستيقظ ذات صباح لنشاهد جنرالا أمريكيا يفرد أوراق اللعب المرقمة وحمّالة الصور؟ ماذا سيحل بحزب الله؟ هل ستكون الفرصة مواتية لإسرائيل مثلا؟

من الطبيعي أن يفكر المرء كذلك، ولكن الطبيعي أيضا أن تفكر في خطوة الخصم ـ لاعب الشطرنج ـ لا في خطواتك وحدها.

ومن يدري؟ فقد تكون صنعاء أول ميدان اختبار بين الطرفين. فليس من السهولة اعتبار الأمر مجرد معركة وانتهت. فما بعد صنعاء لن يكون كما قبلها. يمكن قول هذا فيما لو قيل: ما بعد قصف سوريا قطعا لن يكون كما كان من قبل!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث