داعش تنزع النقاب

داعش تنزع النقاب

تاج الدين عبد الحق

إذا صحت السيناريوهات المتداولة بشأن الحرب على داعش، فإننا نقول من الآن، للإرهاب “أبشر بطول سلامة يا مربع”.

فوفق ما يتم تداوله من معلومات واجتهادات، فإن هذه الحرب ستعتمد أساسا على الضربات الجوية التي ستوجهها الولايات المتحدة وبعض القوات الغربية والعربية الأخرى.

وهذه الضربات مهما بلغت دقتها، ومهما كانت فعاليتها، لن تحسم حربا ولن تغير معادلات على الأرض، وإلا كانت الولايات المتجدة قد حسمت معركتها المفتوحة منذ عشر سنوات في افغانستان. أو مواجهاتها الدامية في العراق. أوكانت قد خلخلت تواجد القاعدة في اليمن، التي لم تزدها الضربات الجوية الأمريكية بطيار وبدون طيار، إلا مزيدا من الشراسة، والنفوذ، لتصبح مع الوقت، رقما صعبا في المعادلة اليمنية الداخلية، تحتل مدنا، وتقيم أنظمة، وتعد لعمليات في الداخل، ونشاطات في الخارج.

ولو كانت الضربات الجوية كافية لكان التحالف قد اسقط المليشيات في ليبيا، والتي أصبحت مشكلة عصية على الحل، وخطرا متفاقما يهدد كيان ليبيا ومستقبلها، ويقرب منها شبح التقسيم.

ولو أن الضربات من الجو تحسم حربا أو تغير معادلات، لكان التحالف قد صفى خلايا القاعدة في الصومال، هذا مع العلم أن تلك الخلايا لم تتوفر لها نفس القدرات ولا نفس المستوى من الامكانيات التي تتوفر للتنظيمات المتطرفة في أمكنة أخرى حول العالم.

وحتى لو نجحت الضربات الجوية في زعزعة تواجد تنظيم داعش في المناطق التي يسيطر عليها، وضعضعت قوته لبعض الوقت فمن الصعب القول أن تلك الضربات، ستمهد للقضاء على هذه المنظمة وتصفيتها. فقد تعلمنا من تجارب سابقة أن خطر الإرهاب وقوة التنظيمات الإرهابية تزداد، ومدى انتشارها يتسع، إذا ظلت أساليب الحرب عليها تأخذ نفس المنحى، وتكرر نفس الأسلوب.

فالطريقة التي يحارب بها الإرهاب إلى الآن، طريقة تقليدية، إما لعدم وجود إرادة دولية حقيقية لمواجهة الظاهرة، أو لتجاهل بعض أسبابها بقصد أو بدون قصد.

التعامل مع آفة الإرهاب، لم يكن تعاملا أخلاقيا، وكان دائما ورقة سياسية تستخدمها، القوى الكبرى، والدول الإقليمية، بالكيفية التي تخدم بها مصالحها الأنانية، وأولوياتها السياسية. ولذلك فإن الحرب على الإرهاب، ظلت محصورة في النطاق العسكري أو الأمني، وكان التداعي لمحاربة الظاهرة ينتعش، كلما شعرت تلك الدول بأنها مستهدفة، أو متضررة، في حين أن هذه الدول نفسها لم تتورع أن تكون راعية لبعض التنظيمات الإرهابية وممولة لها وحاضنة لنشاطها إذا وجدت في هذه التنظيمات وفي نشاطها ما يخدم مصالحها ورؤيتها.

هذه المعايير المزدوجة ما تزال ماثلة، في أسلوب مواجهة تنظيم داعش. فداعش بالرغم من مباهاته بالتطرف ومجاهرته بالفظائع التي يرتكبها، هو واحد من مجموعة تنظيمات وحركات تمارس أشكالا مختلفة من العنف المتطرف. وحصر هدف التحالف بالحرب على داعش أو فئات محدودة من المنظمات المتطرفة، وإخراج بعض التنظيمات من بين قائمة المتطرفين هو المدخل لتميع جهود محاربة الإرهاب وافشال امكانيات نجاحها. فهذه التنظيمات مهما تباعدت أجنداتها وطروحاتها تنتمي إلى ملة واحدة وتستقي من منبع واحد.

وقد بدأت ارهاصات هذا التمييع واضحة من خلال الاستعانة بفتاوى شخصيات وأدبيات قوى وتنظيمات إسلامية، لعزل تنظيم داعش عن تنظيمات أخرى، لاتقل شراسة ولا تختلف في أطروحاتها المتطرفة عما يطرحه هذا التنظيم.

والغريب أن أصحاب تلك الفتاوى هم أنفسهم من كان إلى وقت قريب يحض على تقديم السلاح، والدعم المادي والمساندة البشرية لمن كان يصفهم بالمجاهدين في سوريا والعراق، لينقلب هؤلاء بسحر ساحر إلى الصف المقابل، في الدعاء عليهم بدل الدعاء لهم، والدعوة لقتالهم بدلاً من نصرتهم ومؤازرتهم.

نفس الدور لعبه هؤلاء من قبل، حين كانت الموضة السائدة في ذلك الوقت الحرب على تنظيم القاعدة وطالبان، حيث جعلوا من مقاتلي القاعدة ورموزها، قربانا يتسترون به على من يصنعونهم ويزينون عملهم، ويبررونه. توطئة لإنتاج تنظيمات جديدة باسماء جديدة يكملون بها مخططاتهم ومشاريعهم.

فأي مصداقية يمكن أن تكتسبها الحرب على الإرهاب! وأي نجاح يمكن أن يحققه العمل العسكري والأمني الذي يقوده التحالف! إذا كنا لا نزال نعتمد نفس الأساليب ونفس الأسماء التي نوظفها كل حين بالشكل وبالكيفية التي نريد؟

كيف يمكن أن نضمن أن الحرب على داعش هي الحرب الأخيرة التي ندخلها من أجل تنقية الإسلام من شبهة التطرف وعبث المتطرفين، ما دمنا غير قادرين إلى الآن، على مقاربة الأسس الفكرية التي أسست للتطرف، وروته بفتاوٍ كاذبة، ودعاوٍ باطلة.

محاربة الإرهاب ليست عملا عسكرياً، بل منظومة كاملة من الخطوات على رأسها نزع النقاب عن الإرهاب، وكشف عورته دون وجل أو خوف، لأن الأرهاب الفكري أقسى بمراحل، وأكثر خطورة، من إرهاب الدم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث