” عُمر” أيقونة مهرجان الاسكندرية

” عُمر” أيقونة مهرجان الاسكندرية

طارق الشناوي

أتابع دائما أفلام هاني بقدر كبير من الشغف، شاهدت لأول مرة فيلمه “زفاف رنا” في قسم “أسبوعي المخرجين” في مهرجان “كان” قبل أكثر من عشر سنوات، وكان الفيلم يعلن مباشرة أن المقاومة هي الحل وهي ليست فقط بإطلاق الرصاص ولا الحجارة ولكن بممارسة طقوس الحياة بكل أبعادها، لأن إسرائيل تريد اغتصاب الحياة ولهذا يصبح حفل الزفاف الذي أقيم في الشارع وفي عز المقاومة هو أحد وسائل المقاومة التي يخشاها ويتحسبها الإسرائيليون مثلما يخشون إطلاق الرصاص، في فيلم أبو أسعد الرائع “الجنة الآن” 2005 كان يشرع للمقاومة بالسلاح ولكنه يرفض إباحة قتل المدنيين، وهو الفيلم الحاصل على جائزة الكُرة الذهبية، ورشح من بين خمسة أفلام لأفضل فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار قبل تسع سنوات وهي سابقة لم تتكرر كثيراً سوى مرات قليلة على المستوي العربي، وكان فيلمه ” عمر” هو الثاني الذي يرشح في القائمة القصيرة للاوسكار في العام الماضي.

أبو أسعد هذه المرة يقدم لنا شخصية المناضل بعيداً عن تلك الصورة النمطية التي تحيله إلى كائن مثالي، الأبطال الثلاثة الذين يطلقون النيران على الجندي الإسرائيلي من خلال عملية بدائية جداً شاهدناها أكثر مرة ولا أظن أن الأمور لم تتطور، الجدار العازل بين الخطين الأخضر والأحمر يلعب دور البطولة، بطل الفيلم ينتقل ما بين الجانبين فهو يعمل داخل الخط الأخضر الذي تسيطر عليه إسرائيل بينما حبيبته في الخط الاحمر الذي تحكمه السلطة الفلسطينية، وهي كما نعلم جميعاً سلطة محدودة ولا يزال لإسرائيل اليد الطولى في التحكم بكل تفاصيل الحياة، داخل المعتقل نقترب أكثر ونكتشف أن الخيانة هو وجه آخر للنضال بل هي تُشكل نوع من التلازم بينهما، حتى الشك بين أغلب الأطراف الكل لديه احتمال بأن الآخر ربما يصبح عيناً مزروعة لصالح الإسرائيليين، الأبطال الثلاثة رماديون، لأنهم بشر وتحرر المخرج من تلك الملامح المغرقة في المثالية التي تحيط عادة التركيبة المرتبطة بشخصية الفدائي، كما أنه حرص أيضاً على أن يقدم لنا البيت الفلسطيني بطقوسه وتفاصيله ليمهد من خلال هذا الخط الاجتماعي أن الصراع الدموي حتى بين الأبطال ممكن، حيث تتحول القضية الشخصية إلى البؤرة ويصغر أمامها النضال الوطني وهكذا نرى في نهاية الأمر أن الصراع يأخذ منحى أشد ضراوة وخطورة حيث ينتهي بقتل أحدهم.

ويبقى أن المخرج سيطر عليه في بنائه للفيلم تلك الحالة الدرامية أخذته الحكاية والخطوط الحادة، كان يريد أن يقدم تفاصيل إنسانية ولكنه وقع أسير الحكاية التقليدية مثل أن الفتاة التي يحبها البطل عمر يدعي صديقه أنه أقام معها علاقة جنسية وصارت حامل ثم نكتشف قبل النهاية أنها مجرد خدعة لإبعاده وإلصاق تُهمة الخيانة به. وتنتهي الأحداث بطلقة ينهي بها عُمر حياة رجل المخابرات العسكرية المسئول عن تلك القضية وهو حل يؤكد على أنه لا بديل عن الصراع المسلح، من الملامح التي لعب بها المخرج الإيحاء والذي يعني أن يضيف المشاهد للشاشة عمقا من خلال خيط يرسله المخرج ، البطل والذي وصفته أجهزة المخابرات الإسرائيلية بـ “سبايدر مان” الرجل العنكبوت والذي كنا نشاهده مع اللقطات الأولي وهو ينتقل برشاقة بين الجانبين الأخضر والأحمر في اللقطات الأخيرة يبدو أمامنا عاجزاً تماماً عن التسلق مجدداً إلى الجانب الآخر حيث يعمل خبازاً ونرى رجل متقدم في العمر بالزي التقليدي الفلسطيني وهو يأخذ بخاطره ويحنو عليه، إنه الانكسار إلا أن عمق المقاومة لا يزال أيضاً حاضراً من خلال هذا التاريخ. هاني أبو أسعد يظل عنوانا مضيئا للسينما العربية ، فكان تكريمه في الاسكندرية لمحة ذكية يستحقها وعن جدارة!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث