فلسطين بين ريما وحليمة

فلسطين بين ريما وحليمة
المصدر: تاج الدين عبد الحق

قبل أن يفيق البعض من نشوة، ما اعتبره انتصارا مدويا، وإنجازا وطنيا، وقبل أن يجهر بالشكوى، مَن صَدمته جراح الغزيين، وآلامهم. بدأت الفصائل الفلسطينية التراشق الإعلامي، وتبادل الاتهامات، و”فرش الملايات”، على حد تعبير إخواننا المصريين.

كنا نعتقد أن تضحيات الفلسطينيين في غزة، والتفافهم حول خطاب سياسي واحد إبان العدوان، سيؤسس لخطاب فلسطيني أكثر نضجا، ولحالة فلسطينية أكثر تماسكا. لكن يبدو أن ريما وحليمة، رجعتا لعادتهما القديمة. اتهامات بنفس اللغة، وتراشق بنفس المفردات.

وبغض النظر عما تسوقه “ريما” من مبررات، وما تدفع به “حليمة” من اتهامات، فالواضح أن خلافهما لا يأخذ بعين الاعتبار ما يدور على الأرض، وما يحدث في الواقع، وكأنهما تعيشان في كوكب آخر بعيدا ً عن كل ما يحدث حولهما، وخذ عندك:

نصف مليون غزي على الأقل يعيشون في الشارع، بالمعنى الحرفي للكلمة، يعانون من الحر الآن، ويتهددهم القر بعد أسابيع عندما يدخل فصل الشتاء.

عشرات الآلاف من الطلبة الذين لا يجدون أماكن للدراسة بعد أن أتى عدوان الجرف الصامد، على معظمها، فيما تحولت المدارس الباقية الناجية من القصف والتدمير لمراكز إيواء للعائلات المنكوبة.

آلاف العائلات لا تصل مؤونتها حد الكفاف، برغم ما يقال عن مساعدات إغاثية تتفضل بها دول ومنظمات، وسط اتهامات متبادلة بأن هذه المساعدات، لا توزع بالعدل والقسطاس، وإنما يتم تسريبها للمحاسيب والأزلام، أو تصبح بضاعة تباع بأغلى الأثمان ولصالح بعض من يملك السلطة، أو القدرة.

مفاوضات معلقة مع إسرائيل، بشأن فتح المعابر وإعادة البناء، لا بسبب اشتراطات إسرائيلية فقط، بل بسبب المناكفات الفلسطينية الفلسطينية، التي تدور كلها، حول خلافات حزبية، وأجندات ومصالح فئوية.

وضع إقليمي بالغ التعقيد والتوتر، ليس لفلسطين فيه مكان، بعد أن احتلت داعش والنصرة كل الشاشات، وسرقت كل الأضواء.

عرب مشغولون بهمومهم وهواجسهم وخلافاتهم وحساباتهم، وإن التفتوا لفلسطين، التفتوا رغبة في الاتكاء على معاناتها، والاستقواء بضعفها نكاية بالآخرين، أو رغبة في الانتقام، وتصفية الحسابات.

مجتمع دولي ضاغط، أو متردد في تقديم المعونات والهبات، بعد أن مل دور (الدوبلير) الذي ينوب عن المحتل في دفع فاتورة الاحتلال ومصاريفه، لتصبح السلطة هذه المرة، مغلولة اليد لا سياسيا وأمنيا فقط، بل ماليا وليصبح وجودها غير مبرر، إلا كستار يسمح باستمرار الاحتلال وبقائه.

الشعب الفلسطيني، الذي صودرت قضيته سنوات طويلة، من قبل أنظمة عسكرية عربية، تاجرت بها زمنا طويلا، من أجل شرعنة وجودها، وتبرير تسلطها على رقاب العباد، ومواردهم وأرزاقهم، يجد نفسه الآن، رهينة صراعات حزبية وسياسية، تغلق الأفق أمامه، وتضعه أمام خيارات صعبة أو ملتبسة، لا يميز فيها بين ما هو خيار وطني يستأهل التضحية، وبين ما هو خيار حزبي يجعل من المعاناة الفلسطينية مادة للمزايدة اليومية، والمقايضة السياسية.

والرهان على صبر الناس، وعلى إيمانهم، وعلى وعيهم، وعلى وطنيتهم، وعلى كل ما في هذه المنظومة الطويلة من المراهنات رهان يفتقر لروح المسؤولية، ويزيد من عمر المعاناة، ويعمق من جرحها المادي والنفسي.

فالصبر المعلق على أمل الموت، لا أمل الخلاص، ليس صبرا، بل انتحار جماعي بطيئ.

والإيمان، المرتبط برؤى النخب وأجنداتها، وتفسيراتها، ليس إيمانا، بل شعوذة، وضرب بالودع.

والوعي الذي يصادر من الناس فرص المشاركة، ويمنع عنهم حق الاختيار، ويحول بينهم وبين التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، ويحد من قدرتهم على التفريق بين النافع الذي يمكث في الأرض، وبين الزبد الذي يذهب جفاء، ليس وعيا، بل تغييب للعقل، ومصادرة له، لصالح إيدولوجيا جامدة ، تتعامل مع العصر بأحكام مسبقة، ونوايا مبيتة.

والوطنية التي ترتبط بتكتيكات حزبية، وأولويات جماعة ورؤى فئة، وحسابات مرحلة وارتباطات مصالح، ليست وطنية، بل نوع من التفتيت والتمييز. وهي اعتداء على حقوق أغلبية صامتة، وانتصار لمصالح أقلية قادرة، تقيس الوطن على مقاس حزب أو تنظيم، وتربط مستقبله بمستقبل الأشخاص والرموز، لا بآمال الناس وتطلعاتهم.

الرهان على الداخل الفلسطيني، رهان تتهدده الخسارة وهو في هذا، مثل الرهان على الخارج . فالتعويل على عدالة القضية ودعم المجتمع الدولي، لا يمكن أن يكون صحيحا، إذا كان مبنيا على الشفقة فقط، واستدرار العطف وحسب، فحبل مثل هذا التعاطف وإن طال قصير، وأُفقه وإن اتسع محدود، فضلا عن أن فيه تكراراً لنفس السيناريو، وهو ما يصيب المتعاطفين بالملل، أو الاحباط ، خاصة، وأننا نرتكب في كل مرة نفس الأخطاء ونعيد إنتاج نفس المشاهد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث