“ذبح” عبّاس ورقص الشياطين

“ذبح” عبّاس ورقص الشياطين

مارلين خليفة

منذ اختطاف جنود الجيش اللبناني والعسكريين في قوى الأمن الداخلي من قبل مسلّحي “جبهة النصرة” و”الدّولة الإسلاميّة” وقلوب اللبنانيين مشتعلة خوفا على هؤلاء الأبطال الذين اختطفتهم يد الإرهاب.

لكنّ القلوب تقطر دماء حين يساق أحد هؤلاء الى الذبح تحت عيون العالم، وبعد أن أعدمت “داعش” الرقيب الشهيد علي السيّد إبن عكّار من الوريد الى الوريد في الأسبوع الفائت، وضعت السكّين مجدّدا يوم أمس على عنق الجندي الشهيد عبّاس مدلج إبن البقاع.

بعد الجريمة الجديدة أطلّ رأس الفتنة المذهبيّة مجدّدا بأبشع تجلّياته: ما إن أعلن الخبر عبر وسائل التواصل الإجتماعيّة حتى ماجت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وبدأ الأهالي يقطعون الطرق ويهددون بطرد النازحين السوريين في سيناريو مبرّر كليا وسط الوحشيّة التي تتعاطى فيها “داعش” و”النصرة” مع اللبنانيين وأبطالهم من الجيش.

ما يحصل يعيد الى الأذهان صورا بشعة من الحرب اللبنانية الفلسطينية إبّان تحوّل الوجود الفلسطيني الى عامل انقسام وفتنة بين اللبنانيين الذين أيده فريق منهم عبر “الحركة الوطنية” ورفضه قسم آخر عبر “الجبهة اللبنانية”.

لكنّ الفارق اليوم أنّ جميع اللبنانيين بطوائفهم كلّها ناقمون على السوريين الذين جاؤوا ضيوفا الى ربوعهم وإذا بهم يتحوّلون مشاريع مقاتلين مع أعتى المنظمات الإرهابية بطشا.

ينابيع الدماء التي تسقط من أعناق جنودنا تواكبها أنهار دموع من أهالي المخطوفين اللبنانيين الذين ينتمون الى الطوائف اللبنانية كلّها.

طرفان وحيدان لا يشاركان هؤلاء ومعهم جميع اللبنانيين بلا استثناء الحزن العميق: الإعلام اللبناني أولا، إذ لم يخجل القيّمون على التلفزيونات اللبنانية كلّها فور نشر خبر “ذبح” عبّاس من بثّ برامج ترفيهية قوامها عروض بلباس البحر وغطس وبرامج أغاني طربيّة نجمها، علي الديك، أو برامج الزّجل اللبناني، وفي أفضل الأحوال أفلام سينمائية، والحديث هنا يشمل التلفزيونات اللبنانية كلّها بلا استثناء التي وقعت في سقطة مهنيّة وإنسانيّة رهيبة أشبه برقص الشياطين فوق جثّة عبّاس المذبوح.

أما الطّرف الثاني غير المبالي بمشاعر اللبنانيين فيتمثّل (كالعادة) بالدّولة اللبنانيّة التي دخلت في بازار الخلافات الدّولية حول هويّة الوسيط والمفاوض محاولة إرضاء دول متناحرة، ومتطلّعة على مصالح بعض الشخصيات الضيقة، ضاربة عرض الحائط بأرواح العسكريين ومتجاهلة قنوات بديهيّة ذي باع وخبرة طويلين في تحرير مخطوفين لبنانيين من بين أيدي الإرهابيين والمقصود هنا مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم الذي نجح بتحرير مخطوفي أعزاز وراهبات معلولا والذي لم يظهر لغاية اليوم على شاشة التفاوض لأنّ المجال متروك لرئيس الحكومة تمّام سلام ولوزير الداخليّة نهاد المشنوق وربّما لوزير العدل أشرف ريفي لإدارة التفاوض.

كم جنديّ سيذبح بعد يا ترى لكي يكتشف مسؤولونا أنّ الأرواح أهمّ من المغانم السياسيّة وبأنّ التفاوض يحتاج الى باع وحنكة وعلاقات متينة ومناورات لا تتوفّر بأيّ كان؟

أنهار الدّماء والدّموع منهمرة ورقص الشياطين مستمرّ وما من كلمات أبلغ من صرخات أمّهات الشهداء المضمحلّة في وديان الضمائر النائمة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث