نافخ البوق ذو الأصابع المرتعشة

نافخ البوق ذو الأصابع المرتعشة

يوسف ضمرة

الجامعة العربية تفتح جلساتها بمناقشة موضوع الإرهاب.

الخبر طريف، ولا يخلو من”مسخرة”. فالجامعة العربية التي لا نسمع صوتها عادة خلال اعتداءات الكيان الصهيوني على الفلسطينيين، هي نفسها التي استأسدت في الأزمة السورية، وقامت بطرد سوريا من عضويتها. آنذاك حرصت الجامعة العربية”يرعاها الله” على حرية الشعب السوري وحقوقه الإنسانية، ومنها بالطبع ـ وهو الأهم ـ حقه في الموت على يد جماعات تكفيرية مفبركة تدار من بعد!

لم تفتح الجامعة هذا الموضوع من قبل. فلماذا تفتحه اليوم؟

بدأ الأمر مع اجتياح داعش لمناطق واسعة في العراق، بالتزامن مع العدوان الوحشي على غزة، وقتل أكثر من ألفي طفل وامرأة ومسن. وكانت الإشارة الأولى صدرت في كلمة وجهها العاهل السعودي خصصها لمكافحة الإرهاب. في ذلك الوقت كان الكيان الصهيوني وإعلامه والإعلام الغربي والعربي المتعاطف معه، يصف الفلسطينيين بالإرهابيين، وبأنهم قتلة يطلقون صواريخهم على الأبرياء الإسرائيليين.

لم نكن نعلم بمحاولة الأمريكيين الفاشلة لإنقاذ مختطفين أمريكيين صحافيين أو جواسيس” لا نعلم”. ولم نكن نعلم أصلا أن لدى داعش أو غيرها مختطفين أمريكيين، إلا بعد نشر فيديو ذبح الأمريكي فولي.

ويوم أمس تم نشر فيديو آخر لذبح أمريكي آخر، بالتزامن مع تسلم الجيش اللبناني جثمان جندي ذبحته داعش أو النصرة، لا فرق.

على المدعو نبيل العربي ألا يستغفل الناس، وهو يوحي بأن الجامعة العربية قررت وضع موضوع الإرهاب على رأس برنامجها. فهو في الحقيقة لا يقرر ولا يفكر بمعزل عن مشغليه. بمعنى أن هذا الأمر الطارئ على الجامعة العربية ليس اجتهادا من نبيل العربي، وإنما هو استجابة لرغبة أمريكية تسيل عبر أقنية عربية، تتعلق بتشكيل ائتلاف دولي للتصرف في المنطقة عسكريا، وفق سيناريوهات معدة مسبقا، وهي تنتظر المناخات الملائمة للتنفيذ.

الجامعة العربية التي فصلت سوريا بناء على رغبة أمريكية غربية، هي نفسها التي تناقش اليوم معضلة الإرهاب. ولكن الجامعة لا تخبرنا كيف ستكافح الإرهاب! وهنا مربط الفرس. فالمطلوب من الجامعة هو المساهمة في تشكيل رأي عربي يمهد لأمريكا وحلفائها التدخل مباشرة في المنطقة، وفي كل مكان منها، من دون أن يُجابه هذا التدخل برد فعل عربي.

فنبيل العربي لا يمتلك جيوشا أو أوراق ضغط في وجه الإرهاب، ولا يستطيع اتخاذ قرار قد يؤذي نملة إرهابية. وبالتالي يصبح الحديث عن أولوية مناقشة الإرهاب في المنطقة، أمرا ثقيل الظل، حين يأتي على لسان الأمين العام للجامعة التي لا شأن حقيقيا لها بالوضع العربي، إلا بمقدار ما تسوقه هنا وهناك من آراء ومواقف.

يستطيع نبيل العربي أن يقول ما يراد له أن يقال عربيا. ولكنه لا يستطيع إقناع نفسه قبل سواه، أنه جاد وقادر على القيام بخطوة واحدة في أي اتجاه مغاير لرغبات القيصر الأمريكي وحلفائه، أو أتباعه.

هي وظيفة مرموقة ماديا، أن تكون أمينا عاما لجامعة الدول العربية، ولكنها وظيفة ربما نشبهها بوظيفة العازف في ناد ليلي متواضع؛ عازف لا يجيد سوى النفخ في البوق، ولكن أصابعه مصابة بارتعاشة عضوية وذهنية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث