رئاسة القرضاوي وبيعة البغدادي

رئاسة القرضاوي وبيعة البغدادي
المصدر: تاج الدين عبدالحق

قرار إعادة انتخاب الشيخ يوسف القرضاوي لرئاسة الاتحاد العام لعلماء المسلمين، من جنس اختيار ابو بكر البغدادي، خليفةً للمسلمين وتنصيبه أميراً للمؤمنين. والقراران أشبه بتوزيع ادوار بين جهات فرضت نفسها على حياتنا الدينية والسياسية دون استشارة أو تفويض.

فالاتحاد العام لعلماء المسلمين هو واجهة دينية لمشروع سياسي، في حين أن الخلافة الإسلامية هي واجهة سياسية لمشروع ديني. ومهما كانت طبيعة الواجهة، فإنهما يشكلان، في النهاية، وجهان لعملة واحدة، وآلية، لخدمة هدف واحد، هو جمع السلطة الدينية، بالسلطة السياسية، عن طريق اكساب السلطة السياسية مشروعية دينية، واكساب السلطة الدينية آليات سطوة سياسية.

الاتحاد الذي يرأسه القرضاوي، والخلافة التي أعلنها البغدادي، يتماثلان، من حيث طبيعة التوجهات، والامكانيات المتاحة لهما. وهما عندما يقدمان حلولا نهائية، لا يحققان اجماعاً، يعطيهما المشروعية، ولا قبولا يضمن لهما المصداقية.

اتحاد القرضاوي لم يقدم في نقده لخلافة البغدادي، ما يوحي برفض فكرة خلافة البغدادي ، و لم يكن في بيانه عن تلك الخلافة ما يتضمن الإدانة الصريحة والاستنكار الواضح ، لعبث، وخطل، يستحضر زمنا لا يمكن استعادته، ويقفز على مصالح وطنية، ويفرض أوضاعا سياسية لايمكن قبولها أو التكيف معها.

فعندما تطرق ذلك البيان، لموضوع خلافة البغدادي، كان نقده لهذه الخلافة، وما جرته على العالم الإسلامي، من ويلات وما نتج عنها، من كوارث وتداعيات، نقدا لينا، لا يتناسب في لغته ومضمونه، مع النتائج التي اسفرت عنها تلك الخلافة الصبيانية، التي لا تستند إلى أصل شرعي مقبول، ولا إلى ضوابط إسلاميةحقيقية، أو معايير ومصالح وطنية، فضلا عن تنكرها لأبسط المعايير، والاعتبارات الإنسانية.

بيان استانبول كشف بوضوح عجز اتحاد القرضاوي، أن يكون مرجعية إسلامية جامعة. فعلى الرغم من انتحاله صفة العمومية، إلا أنه كان يعكس إرادة أشخاص، تجمعهم ارتباطات معينة، وحسابات سياسية تبرمج مواقفهم، وتحدد توجهاتهم. وهو بطبيعة هذه التوجهات، وبسبب تلك الارتباطات، لا تتوفر له قاعدة تمثيل تجعله معبرا، عن مجمل الفكر الإسلامي، ولا عن القوى والتيارات المنتمية لهذا الفكر.

وحال الخلافة الإسلامية التي أعلنها البغدادي، والتي جاءت استنساخا ممسوخا، حتى للخلافة كما عرفتها عصور التخلف، والانحطاط، لم يختلف عن حال علماء استانبول.

فعلى الرغم من أن هذه الخلافة تطرح نفسها كبديل إسلامي عالمي، إلا أنها في واقع الحال، بقيت على مقاس مطامع تنظيم واحد هو تنظيم داعش، وهي بطبيعتها، وبالشكل الذي ظهرت عليه، غير قابلة للقسمة، حتى مع أقرب الحلفاء السياسيين، ناهيك عن الخصوم في التنظيمات الجهادية الأخرى، التي اتفق معها التنظيم ابتداء في العنوان ، قبل أن يختلف معها لاحقا في المغانم.

اتحاد القرضاوي لا يختلف في الجوهر عن خلافة البغدادي، فكلاهما يدعيان أن لديهما الحل النهائي، والعلاج الشافي. فتنظيم داعش، الذي حرض، باسم الدين، على قتل عشرات من المسلمين بدم بارد، ومئات آخرين عبر عمليات انتحارية استهدفت أرواح المسلمين، ومقدراتهم، لا يختلف عن قيادات اتحاد علماء المسلمين التي حرضت على تسليح القوى المتطرفة في سوريا، ومارست تأثيرها لتحريض وتجنيد الشباب المسلم داخل العالم الإسلامي وخارجه من أجل القتال، في سوريا، وليبيا، ومن قبل في افغانستان وباكستان.

داعش، ومن لف لفها، خرجت من نفس العباءة التي أخرجت علماء اتحاد استانبول، ومن قبلها قيادات القاعدة، ومن بعدها النصرة وغيرها من التنظيمات الجهادية، التي خلطت حابل الدين بنابل السياسة، واستقوت بالدين لتحقيق مطامع شخصية أومطامح سياسية.

ألم يدعو القرضاوي أكثر من مرة، وبأكثر من أسلوب لمد هذه التنظيمات بالسلاح، والمال؟ ألم يوفر لعمليات القتل والتدمير الممنهج التي قامت بها تلك التنظيمات، ما تحتاجه من فتاو وتبريرات؟

كيف يجعل الاتحاد العام للعلماء المسلمين من قضية بحجم داعش والنصرة وغيرها من منظمات التطرف، قضايا اجتهادية يتوجه العلماء لمناقشتها بالنصح والارشاد، فيما يجدون في المواقف السياسية والاجتهادت الفقهية لبعض العلماء المعروفين والمشهود لهم، ما يستوجب الاستهزاء، وما يبرر قتلهم، وتشويه صورتهم، دون خشية من دين، ولا رادع من ضمير؟

الاتحاد الذي يطرح نفسه كمرجع علمي وفقهي، بديل عن كل المراجع الإسلامية التي نعرفها، والذي امتنع عن تكفير، من سمح لنفسه الإدعاء بالخلافة واستباحة دماء المسلمين، وأعراضهم، وقتل وتشريد مئات الآلاف، من أبناءالأقليات في دول إسلامية، هو نفسه الذي لم يتورع عن تكفير، أو تحقير علماء دين كبار، والنيل منهم، لمجرد أنهم اختلفوا معه سياسيا، أو رفضوا اتباع الهوى وإصدار فتاو، وصكوك غفران ما أنزل الله بها من سلطان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث