العدوان من نافذة التفاوض

العدوان من نافذة التفاوض
المصدر: تاج الدين عبد الحق

من أكثر أسلحة إسرائيل فتكا سلاح التفاوض. ففي كل حروبها، ومعاركها، كانت تتوج انجازاتها العسكرية، وتقطف ثمار معاركها الحربية، من خلال التفاوض والتلاعب بالمواقف السياسية، فتقدم خطوة صغيرة هنا، مقابل تثبيت أقدام راسخة هناك.

والقائمة هنا تطول، وتاريخ القضية الفلسطينية، والحروب العربية الإسرائيلية حافلة، بالشواهد والأدلة.

العدوان الأخير على غزة، لم يكن استثناء من هذه القاعدة، فبعد شهر من القصف الجوي، والتدمير الممنهج، وجدت إسرائيل أنها لم تعد قادرة على تسويق معادلة التهدئة مقابل التهدئة، وهي المعادلة التي أبقت قطاع غزة تحت الحصار، والتجويع، ومنعته من مقاومة الموت البطيء الذي استمر قرابة العشرة أعوام. فأرادت أن تفرض هذه المعادلة عبر التفاوض، بعد أن فشلت في فرضها بالقوة العسكرية.

فمع الأيام الأولى لجولة عدوان رمضان، كان عدد من قتل، أو جرح في القطاع ، أكثر من طاقة التحمل الدولي، وباتت مختلف الأوساط بمن فيهم أصدقاء إسرائيل أنفسهم، يضغطون لوقف العدوان، فضلا عن أن سير المعارك على الأرض ، لم يكن على مقياس التفوق الإسرائيلي. الأمر الذي دفع إسرائيل للقبول بوقف إطلاق النار، دون التزام ، بما يتبع ذلك من استحقاقات .

إسرائيل كانت تعلم وقتها أن وقف إطلاق النار سيكون ثمنا رخيصا جدا، للتضحيات التي قدمها الغزييون من دمائهم ومواردهم الشحيحة، على مدى شهر كامل من القصف الجوي والبري .لذلك فإنها كان مستعدة أو مضطرة، لتبديل خطابها التفاوضي، عندما قبلت وتحت الضغط الدولي، والخسائر التي لحقت بقواتها الغازية، فبدأت تطرح ومن جانب واحد، أشكالا من التهدئة المؤقتة، بذريعة الدواعي الإنسانية، أو بمناسبة عيد الفطر، وكأن أهل القطاع وقتذاك لديهم القدرة، أو المزاج للاحتفال بعيد قلبه العدوان إلى مأتم كبير.

وتحت ستار ” الهدن الانسانية”المتوالية، كانت قوات الاحتلال توسع من نشاطها لتدمير الأنفاق أو ملاحقة المقاوميين. لكن يبدو أن تلك الهدن كانت من الهشاشة بحيث لم تكن كافية لامتصاص أثر المشاهد المرعبة التي خلفها العدوان، وبدا أن إسرائيل غير قادرة على مواجهة الضغوط التي تطالبها بدفع ثمن سياسي لعدوانها على القطاع. ومن هنا بدأ التفاوض في القاهرة، وقبلت إسرائيل بعد تمنع، إرسال وفد إلى هناك لتجد أن الفلسطينيين لم يعد لديهم ما يدفعونه، أو يخسرونه، مقابل مطالبهم البسيطة، والعادلة، والمقبولة دوليا، والمتمثلة، برفع الحصار، وفتح المعابر والإعمار.

بل إن الفلسطينيين قطعوا الطريق أمام أي اعتراضات إسرائيلية مألوفة، عندما اتفقوا، وبدون ضغط من أحد، على جعل السلطة الوطنية الفلسطينية هي الجهة المشرفة، على المعابر، وإعادة الإعمار.

طبعا إسرائيل لم تنقصها الحيلة لإطالة أمد التفاوض، وتمديد التهدئة المؤقتة، مرة بعد مرة، بافتراض أن هناك عملية تفاوضية ستنتهي باتفاق دائم، فطرحت قضايا تعلم قبل غيرها، أنها قضايا خلافية وتعجيزية، وغير قابلة للحل إلا في إطار اتفاق تسوية سياسية نهائية، مع السلطة الفلسطينية. وبدأت رحلة مماطلة شبيهة، برحلة مفاوضات التسوية النهائية.

إطالة أمد التفاوض أرادته إسرائيل هذه المرة، لعدة أسباب : أبرزها امتصاص الأثر الذي تركته مشاهد العدوان على القطاع بما في ذلك مدارس الأمم المتحدة، ولجم أي محاولات لتصعيد الامتعاض الدولي، ومنع الفلسطينيين من التوجه لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين الذي ارتكبوا أفعالا تدخل في نطاق جرائم حرب موصوفة .

والأمر الثاني كسر إرادة المقاومة والصمود لدى أبناء القطاع من خلال الإيحاء بأن المفاوضات ستفضي مع استمرارها، إلى رفع الحصار وإعادة الإعمار، بشكل يؤثر على المناخ النفسي للمجتمع الغزي ويضعف من عزيمته ويشيع جوا من الإحباط فيه .

والأمر الثالث محاولة خلخلة اللحمة التي أظهرتها الفصائل الفلسطينية خلال المفاوضات، حيث فوجئت إسرائيل فيما يبدو بسرعة اتفاق الفلسطينيين على تشكيل وفد موحد وعلى بنود أي اتفاق تهدئة طويلة الأمد في غزة .

والأمر الرابع أن إسرائيل حاولت من خلال المفاوضات تفجير خلافات مصرية فلسطينية، لقطع الطريق أمام محاولات لترميم العلاقات المصرية مع بعض الفصائل الفلسطينية التي أظهرت ما يشبه المراجعة لمواقف اتخذتها إبان حكم جماعة الإخوان في مصر، تقديما للأولوية الوطنية على الارتباطات الحزبية .

تجدد العدوان على غزة بعد أسابيع من التهدئة المؤقتة، يأتي بعد أن حققت إسرائيل بعض أهدافها من جولة التفاوض الأولى. فالضغط الدولي لرفع الحصار وإعادة الإعمار بدأ يتآكل، وبات أقل حدة مما كان عليه بعد عدوان رمضان، والواضح أن تل أبيب كانت تبيت النية لاستئناف عدوانها في اللحظة المناسبة .

فاستهداف منزل قائد كتائب القسام ما كان يمكن أن يكون إلا بناء على تخطيط وإعداد مسبق، وليس كردة فعل، على صواريخ، كما زعمت إسرائيل.

المشكلة التي تواجه قطاع غزة الآن، أن العدوان المتجدد يتم في ظل التفاوض، وهذا أخطر من العدوان الشامل، فغبار الحرب تحجبه سحب من الأحاديث المتواترة عن اتفاق يأتي، ولا يأتي، ليصبح حال التفاوض من أجل تهدئة في غزة حال التفاوض لحل في الضفة، التي تعرضت خلال مراحل التفاوض المختلفة، لهجمات استيطان لم تترك من الأرض الفلسطينية ما يمكن أن يكون أساسا لأي حل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث