المخابرات الأمريكية والمياه العربية

المخابرات الأمريكية والمياه العربية

إميل أمين

هل أضحت حروب المياه في الشرق الأوسط قدر مقدور في زمن منظور؟

لم تكن الاستخبارات المركزية الأمريكية بعيدة في واقع الأمر عن رصد إشكالية المياه هذه، ولهذا فإن أحد تقاريرها الأخيرة يؤكد على أنه وقبل انتهاء منتصف القرن الحالي، ستخوض عدة دول في العالم حروبا من نوع جديد، إنها حروب من أجل الحياة، حروب المياه.

وليس غريبا أن يؤكد تقرير الجهاز أن الفقر الشديد وحاجة الشعوب للمياه العذبة سيتفاقم بحلول عام 2040 وسيؤدي هذا العجز في مياه الشرب إلى حالة خطيرة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وسيهدد أسواق الغذاء ويعرضها للخطر، وستكون مناطق الشرق الأوسط وحوض النيل وشمال أفريقيا وجنوب آسيا من أكثر المناطق التي ستواجه عجزا في المياه العذبة، وستدخل في مواجهة الأمن المائي، مما سيؤدي لعجز في توافر احتياجات الاستهلاك الآدمي وإنتاج الغذاء وتوليد الطاقة.

وبحسب التقرير الأمريكي فإنه وبعد عقد واحد من الآن ستبدأ مناوشات دولية بسبب المياه، وسيكون مصير هذه الدول مرتبطا بالأساليب والإجراءات التي ستتخذها الدول لحل إشكالية عجز المياه دون الدخول في مواجهات عسكرية مع دول أخرى، وستأتي الدول التي تتشارك في أحواض للأنهار في مقدمة الدول التي ستتواجه عسكريا، حيث ستبادر بعض الدول في الضغط على جيرانها من خلال حرمانهم من حصص الهم في المياه.

التقرير الاستخباراتي الأمريكي يؤكد كذلك على أن المياه في الوطن العربي ستكون مصدرا للمشاحنات الدولية، نظرا للتزايد السكاني الرهيب، مع وجود عجز في مياه الأنهار، حيث تقع أغلب أراضي الوطن العربي في المنطقة الجافة وشبه الجافة التي تقل فيها معدلات الأمطار سنويا على محاولة جدول الاستئثار بأنصبة أكبر من الأخرى، ومعلوم أنه يوجد في الوطن العربي 50 نهرا بما في ذلك روافد النيل ودجلة والفرات، ويعد نهر النيل أطول الأنهار العربية وأغزرها، يليه في الحجم والأهمية نهر الفرات.

في هذا السياق يثور سؤال هام:”هل الأطماع الصهيونية تتوقف عند حدود نهر النيل ومصر أم تمتد إلى غيرها من الأنهار والمياه في العالم العربي؟

ليس سرا أن أحد الأهداف الرئيسية لحرب 1967 كان تدمير المنشآت العربية على المجرى الأعلى لنهر الأردن، وسد” خالد بن الوليد “على نهر اليرموك” بعدما كان السوريون والأردنيون قد أنجزوا القسم الأول منه.

وفي هذا السياق يعتقد المحللون أن الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان أنما يعود ليس لاعتبارات استراتيجية ـ أمنية حيوية بل أيضا لاحتواء هذه الهضبة مصدرا مائيا في تزويد منطقة حيوية في إسرائيل.

وفي أعقاب حرب 1967 صرحت “غولدا مائير” رئيس الوزراء الأسبق لإسرائيل قائلة:” إن التحالف مع تركيا واثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة: النيل والفرات سيكونان في قبضتنا وبعد اندلاع حرب الأيام الستة عام 1967، بات واضحا أن مشكلة المياه تمثل أحد أبعاد الصراع ـ العربي الإسرائيلي، ولاسيما أن تلك الحرب قامت كرد فعل للمشروعات المائية العربية التي اعتبرتها إسرائيل تهديدا لأمنها المائي، ومن ثم لأمنها القومي.

وفي أعقاب حرب يونيو 1967 بشهرين، صرح الزعيم السياسي الإسرائيلي المتطرف “إرييل شارون” وكان حينذاك جنرال بالجيش الإسرائيلي قائلا:

“الناس بشكل عام يعتبرون الخامس من يونيو عام 1967، هو اليوم الذي نشبت فيه حرب الأيام الستة، أن ذلك هو ناتج الأعلام الرسمي، ولكن في الحقيقة فإن تلك الحرب قد بدأت قبل ذلك بسنتين ونصف، وفي اليوم الذي قررت فيه إسرائيل العمل ضد تحويل مجرى نهر الأردن”.

ومما يؤكد جدية المواقف الإسرائيلية من موضوع المياه العربية ما صرح به “أسحاق شامير” في مارس 1991 قائلا:” نحن على استعداد لتوقيع معاهدة حظر أسلحة الدمار الشامل وقبول التفتيش على المنشآت النووية الإسرائيلية مقابل اشتراك إسرائيل في اتفاقيات لإعادة توزيع المياه في المنطقة.

وخلاصة القول إن حالة العجز المائي الإسرائيلي، هي محصلة تفاعل حملة من المتغيرات كالزيادة السكانية الطبيعية، والتدفق المستمر للمهاجرين اليهود، والتوسع الزراعي وتزايد معدلات التنمية الصناعية والتلوث البيئي.

ما معني ذلك؟

معناه أن إسرائيل ستبقى شوكة في الحلق المائي العربي في مصر والأردن، وسوريا والعراق، وأن الأمر سيمتد ولاشك للعقود القادمة، الأمر الذي يستدعي حالة تنادي عربي، وربما قمم عربية متخصصة لمناقشة مسألة المياه التي هي حياة أو موت بالنسبة للشعوب العربية في الحال والاستقبال.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث