انتهازية الفقراء

انتهازية الفقراء

جيهان الغرباوي

تخيل انك في سفينة تعبر المحيط، و بالصدفة نظرت صوب الماء حولك فوجدت قاربا صغيرا تتقاذفه الامواج، ومن بداخله يصرخون فزعا، وبالدموع وباعلى صوت لهم يستنجدون بك ويشيرون لك، كي تتوقف عندهم وتنبه الناس لغرقهم وتنقذهم بأقصى سرعة قبل فوات الاوان..

وقتها تشعر أنت بالرعب و منتهى التعاطف والمسؤلية نحوهم، تبلغ الجميع وتجرى لترمي اليهم اول ما تطاله يداك من سترات واطواق النجاة و القوارب المطاطية الاحتياطى، ثم تنظر بحماس تراقبهم وهم يتشبثون بأطواق النجاة او يعتلون القوارب البديلة، فاذا بهم ينظرون نحوك بكل هدوء وبرود ويقولون: دعنا نفكر..

يبدوا اننا طلبنا المساعدة من الشخص الخطأ، انت ترسل لنا اطواقا و قوارب مطاطية لونها برتقالي مبتذل و رمادي باهت ..هل هذا كل ما عندك؟ ( يا ما جاب الغراب…) كنا نظن ان لديك شهامة وإنسانية (؟)

الا يليق بنا وبالإنسانية ان تنقذنا بطائرة هيليكوبتر او بفرقة انقاذ متخصصة تحملنا على سفينة اخرى؟ وما المانع لو يمر يخت رجل من الاثرياء ويحملنا من هنا؟ هل عدم العالم الرجال الاغنياء؟ يالكم من تعساء بخلاء غلاظ المشاعر، قساة القلوب، انتم حقا مفلسون، وقد اهدرنا معكم الوقت، في المرات القادمة علينا ان نختار وندقق قبل ان نطلب المساعدة من احد!

هل تبدو لك هذه القصة عبثية او خيالية ساخرة او من قبيل المبالغة وكوميديا واللامعقول؟ اقسم لك انها تحدث احيانا .. بل واحيانا كثيرة.

في مصر يحدث اللامعقول عدة مرات في الشهر واحيانا كل اسبوع او كل 24 ساعة .

اسأل المشتغلين المخضرمين بالمؤسسات الخيرية ستجد عندهم قصصا غرائبية، صعبة الاستيعاب والفهم عن اؤلئك المحتاجين الذين يطلبون الاعانات والمساعدات ولا يجدون عملا ولا علاجا ولا عندهم مصاريف المدارس ولا ثمن الطعام ولا ايجار البيت .. ورغم ذلك تكتشف انهم على استعداد لعمل اي شيء إلا مساعدة انفسهم !!

حدثت معي عدة مرات بسبب مسؤليتي عن بريد اهرام الجمعة، وبالتجربة بعيدا عن الشعارات والكلام المصفوف بعناية، استطيع ان اتحلى بالجسارة و أؤكد لك ان ثقافة العمل في مصر (ضايعة) او على الاقل يعتريها خلل شديد.

البعض يحلل ذلك ويبرره بالظرف السياسي والاحوال الاقتصادية المرتبكة والفساد الذي اورث الناس اليأس وافقدهم الامل في تحسين اوضاعهم بالتعليم او العمل او بذل اي جهد في اى اتجاه، لكني بعيدا عن هذا الكلام الكبير كنت اشعر بالمفاجأة والاحباط والغيظ الشديد، حين اتعامل مع بعض اصحاب الرسائل والطلبات -التي تصل اسبوعيا بالمئات لصفحة بريد الجمعة بالاهرام -فأكتشف ان (ثقافة التسول) التي شجعها الاعلام سنوات متوالية بلا وعي ولا اكتراث، اصبحت هي السائدة والرائدة بين الناس.

صحيح ان هناك شرفاء، لديهم عزة نفس وكرامة و صدق نية، لكن التجربة العملية مع الاغلبية في الفترة التي توليت فيها بريد الاهرام، توحي لك بأنه لا احد يريد ان يعمل ويبذل مجهودا كبيرا، في العموم، وبأن كلمات الكفاح والنجاح ومن زرع حصد و من جد وجد و من سهر الليالي ..اصبحت في مصر 2013- 2014 جملا مدرسية قديمة و ساذجة وطفولية ومضحكة كالنكات.

من قال إن الانتهازية والاستغلال صفة الاغنياء واصحاب رأس المال بالذات ؟

بعض الفقراء يشعرونك، كأنك تسئ الظن بهم حين تعرض عليهم فرصة عمل، والبعض بدى لي وكأن جهازه العصبي غير مهيأ اصلا للتعامل مع هذا النوع من الفرص والعروض، لدرجة اني كنت احس مع بعض الحالات، اني اجرح مشاعرهم الرقيقة واصدم توقعاتهم اللطيفة، فأضطر ان ادافع عن نفسي وابرر موقفي وانا اتحدث عن (الشغلانة) التى اعرضها على صاحب الرسالة، الذي ينتظر المساعدة (الكاش موني ) فأقول له مثلا إنها فرصة عمل جيدة ولو مؤقتا، ويكفي انها من جهة الاهرام وعند ناس محترمين على ضمانتي.

وسيزداد الراتب مع الوقت او باضافة البقشيش، واصيغ بكل ما عندي من بلاغة وود وعواطف اسبابا وجيهة كي اقنعه بالتنازل وقبول عملا له او لأحد ابنائه ( راتبه فوق ال1000 جنيها ) كي يسدد ديونه او ينقذ به عائلته، بينما هو على الطرف الاخر يفكر ويتردد و يتهيب ان يكون هذا العمل لا سمح الله متعبا او مرهقا او يستلزم مواصلات تحمله كل يوم لمسافات بعيدة !

الذي كان يتصل تليفونيا كل يوم ..بلهفة.. بحرارة بالدموع، و يشعرك انه يغرق ويموت بالمرض والديون والفقر و(يا تلحقيني يا متلحقينيش …)

عنده استعداد لسماع جملة (ارسل بياناتك وورقك)، فهي عبارة يتوقعها، وكأنه تمرن عليها، وقد يستجيب لها بسرعة وينط صباحا عند باب الاهرام، ممسكا بظرف كبير به ورق كثير مصور، للبطاقة وروشتات العلاج و بعض وصولات الامانة الواجبة السداد.

وغير ذلك، سوف تفسد له توقعاته وتغير له خطته وهذه (ازمة ) لكيلكما غالبا وليست له وحده.

في احد الايام المشرقة، اتصلت بي سيدة مهذبة على التليفون، وحكت لي بصوت رقيق ملهوف، انها مصابة بالسرطان و زوجها لا يعمل وبسبب غضاريف ظهره، لا يناسبه غير عمل اداري مكتبي، وابنتها في ثانوية عامة و ابنها طالب جامعي والاصغر مهدد بعدم دخول المدرسة الاعدادية لانه لم يسدد المصاريف، وهي مهددة بدخول السجن بوصولات الامانة التي كتبتها على نفسها اكثر من مرة، لتوفر لاسرتها المصاريف الضرورية جدا للطعام والمعيشة ( هل هناك اكثر من ذلك مأساة درامية باكية معقدة؟ )

وشكت السيدة ان جمعية مصر الخير التي لجأت اليها قبلي لا تحل مشاكل الغارمات الا بعد سجنهن، وهي لا تريد الفضيحة لنفسها ولاولادها فلماذا لا تسدد لها الجمعيات الخيرية ديونها من البداية دون فضيحة ولا حكم ولا قضايا؟ ( وجهة نظر برضه ).

هذه السيدة البليغة الرصينة صاحبة وجهة النظر، ام خائفة ضعيفة، تعيش بالعشوائيات، تصورت بسذاجة انها ستطير فرحا وتجد الملاذ والخلاص والامل، حين اجد عملا لابنها الجامعي ب 1300 جنيها شهريا غير البقشيش، مقابل ان يقف في بوفيه بمركز طبي فاخر، بارقى مناطق مصر السكنية.

ويمكن ان نوفر لابنتها في الاجازة عملا في محل حريمي تتعلم منه صنعة تنفعها وتتقاضى ما يقرب من 700-800 جنيها، كان كل المطلوب منها ان تتصل تليفونيا ليتحدد لها موعد المقابلة وعنوان العمل بالتفصيل، فاذا بها بعد تردد وتفكير تقول لي انها ستتصل بي فيما بعد لأنها ليست جاهزة بالورقة والقلم لتتملى الارقام الان….. ومن يومها لم تتصل ابدا !!!

ومثلها كثير … كل اسبوع .. كل جمعة .

كل يوم يزيد ايماني بأن الطبقة المتوسطة في مصر هي الاجدر و الاحق بالدعم و المساندة معنويا وماديا،

وأكبر خدمة للفقراء الا تكون منهم .

اجتهد قدر طاقتك كي لا تعيش فقيرا، على الاقل سينقص عدد الفقراء في بلادك واحد !

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث