الامبراطورة الحافية

الامبراطورة الحافية

جيهان الغرباوي

لا تعتبر نفسك بطلا ولا محظوظا، طالما انك لم تصل بعد ولم تصعد، سور الصين العظيم!

هكذا قال بيت شعر خالد في قصيدة للشاعر الكبير والفيلسوف الحكيم “ماوتسي تونج”.. وهو في الوقت نفسه الرئيس الصيني الراحل الذي حكم البلاد لزمن كان من اهم مراحل تطورها ونموها السياسي عبر التاريخ .

وفي استجابة سريعة لتوجيهات السيد الرئيس، اتبعت النصيحة وقبلت التحدي، و”كبرت في دماغي”، ورحمة “ماوتسي تونج” في تربته، لاوصل سور الصين العظيم واطلعه واكتبها في مذكراتي و c.v مؤهلاتي.

وشاء الحظ والنصيب وانكتبت لي، وقد كان.. الطريف انه عند قمة “بتالي” اعلى قمم سور الصين العظيم التقط لي احد المصورين صورة لا يستحقها اقل من الابطال والمشاهير من اصحاب الانجازات الفريدة في التاريخ أوالمغامرات المثيرة في السينما .. (ولا جيمس بوند في فيلم مهمة مستحيلة” ولا توم كروز في فيلم “باقصى سرعة”).

لم تكن الصورة مجانية في الحقيقة، لكني دفعت ثمنها بكل سرور وسماحة حيث انها سوف ترفق بالشهادة التي منحوني اياها هناك توثيقا لصعودي قمة سور الصين العظيم، وتخليدا لذلك اليوم الفاصل في تاريخ حياتي (وتاريخ الصين طبعا)!

قبلها حصلت على ميدالية برونزية مكتوبة بالصينية والانجليزية معا، توثق نفس الحدث الجلل نفسه في ساعته وتاريخه (وبرضه دفعت ثمنها عن طيب خاطر .. مفيش مشاكل)!

قبلها خالص بقى ( يعني قبل ان اصعد قمة السور اساسا) عند سفح تلك المرتفعات الشاهقة التي يخترقها السور بجسارة وتحدي، وحيث تستعرض الاشجار اوراقها الخريفية، الحمراء والبرتقالية، بثقة من يعرف عن نفسه انه “جميل جمال.. مالوش مثال”..

هناك وبالثقة نفسها ومزيد من الزهو، كنت اتقلد مراسم الحكم واتوج امبراطورة شرعية للبلاد!

وهو تقليد سياحي صيني. متاح لكل من يدفع 100 ايوان (نحو 70 جنيها مصرياً) ليصبح امبراطور الصين (ربع ساعة) يضع على راسه تاج الامبراطور، ويرتدي عباءة من الحرير اللامع المرسوم بصور التنين الصيني الشهير، وبعدها يركب العربة الملكية، لتيسير به وحوله الخدم والحراس والتابعون في زفة موسيقية، يطلق فيها البخور وينطلق معه الغناء والهتاف والتراتيل.

كل هذا مقابل 100 ايوان (يا بلاش)!

التاج والعرش والخدم والحشم والبخور. وصولجان الملك، وكبرياء الحكم، وعظمة السلطان بما يعادل 70 جنيها.. من يتردد امام هذا العرض حتى لو كان وهما يزول، او حلما لا يطول، اكثر من 15-20 دقيقة(؟!)

ورغم ان الصين دولة شيوعية، ذات قوانين اشتراكية صارمة، لا تسمح بالمعارضة، ولا تعطي فرصة للمتمردين، ولا يتصارع في برلمانها الاتجاه الليبرالي مع الاخوان المسلمين، الا ان تداول السلطة يومها كان سريعا جدا (على حظي)، فلم يمض وقت طويل على تنصيبي امبراطورة، حتى وجدتهم بعد فترة وجيزة ينزلوني من العربة الملكية ويخلعون عن رأسي التاج، ويرفعون عن اكتافي العباءة الحريرية.

رمزاً لزوال الحكم وعزه، وانقضاء عهدي الامبراطوري السعيد (اللفة خلصت.. قومي عشان غيرك يقعد).

وحيث ان الدنيا زي المرجيحة “حبة فوق.. وحبة تحت”، كما قال فيلسوف العصر – احمد عدوية – لم يمض وقت طويل بعدها. الا وشعرت بألم، بسبب الكعب العالي (9 سم ) الذي كان في قدمي من طلعة الصبح، وكاد (يكفيني على وشى) من فوق السور وانا اتمشي واتغندر على المرتفعات الجبلية بين جماهير السياح .. فما كان مني الا ان خلعت صندلي وقررت ان انقذ نفسي من التهلكة و اكمل السير حافية، بايحاء من مثل فلاحي قديم في بلدنا يقول ( اللي يعرفني يروح يقول لخالي! ) لكني ما كدت افعل حتى وجدت بعضهم يشير نحوي ويتهامس و يضحك.

وزاد على ذلك ان تقدمت صحفية بوكالة الانباء الصينية والتقطت لي صورة لتنشرها في الجريدة الرسمية، دلالة على ولع السياح بتسلق سور الصين العظيم حتى ولو بغير نعال ( وكانت هذه بالمناسبة الصورة المجانية الوحيدة لى في هذا المكان! ) الميزة في هذا الحادث المأساوي، انه جعل صورتي ضمن 1000 صورة تلتقطها عدسات مراسلين “الشين خوا ” يوميا في انحاء العالم.

و”الشين خوا” او وكالة الانباء الصينية، لها ارشيف صور يرجع لعام 1920 (فهي تعتز بصورها ولا تفرط فيها بسهولة). وذلك معناه انهم ربما يضعون صورتي المشهودة مع صور الاستاذ عبد المنعم الصاوي اول صحفي مصري زار سور الصين العظيم والتقطت له صورة عنده عام 1955.

في نفس الملف المصور على موقع “الشين خوا” بالانترنت صور لعبد الناصر وابي الهول وعمرو موسى وتمثال رمسيس يوم نقله من ميدانه الشهير الى المتحف المصري الجديد بجوار الاهرامات بالجيزة.

وكذلك صورة “حسن رجب” صاحب القرية الفرعونية وهو اول سفير مصري لدى الصين بمجرد اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين عام 1956.

هناك صور اخرى لمظاهرات قام بها الشعب الصيني حاملا صور الاهرام وابي الهول احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر، وقد وصفه المتظاهرون بانه عدوان اجنبي ظالم على شعب من المدنيين الابرياء.

كل هذا تاريخ تحكيه الصور، وتدعمه العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية القوية بين البلدين.

وكل ما اتمناه ان تكون “صورتي اياها” اضافة نبيلة ودلالة قاطعة وعلامة مميزة على طريق التقارب والصداقة بين الشعبين المصري والصيني.

بكل ما يوحي به “الحفاءه” من تبسط ورفع الكلفة وروح المودة والسلام(!!!).

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث