” لكل عربي شأن يغنيه “

” لكل عربي شأن يغنيه “
المصدر: تاج الدين عبد الحق

لا يدخل الدمار الكبير الذي ألحقه العدوان الإسرائيلي بغزة، ولا العدد الكبير من الشهداء والجرحى، الذين كانوا ضحية لهذا العدوان ضمن المفاجآت التي يمكن رصدها أو النتائج التي يمكن حسابها.

صحيح أن “الدوز” هذه المرة كان أعلى من المرات السابقة، إلا أن ما حصدته آلة الحرب الاسرائيلية من أرواح ، وموارد ظل ضمن نطاق التوقعات، وفي حدود ما اعتدنا عليه من ممارسات، منذ تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين، مرورا بحروب إسرائيل مع الدول العربية، وانتهاء بتصديها للانتفاضات الفلسطينية المتتالية .

كذلك لا يمكن أن نعتبر الخسائر التي ألحقتها المقاومة بالقوات الاسرائيلية الغازية، مفاجأة إلا من حيث عدد قتلى القوات المعتدية، وتطور تكتيكات المقاومة في مواجهة هذه القوات، وتطور أدائها بالرغم من التفاوت الهائل في الامكانيات والقدرات بين جيش تتوفر لديه كل مقومات الامداد والإعداد، وشعب أعزل يحاصره الجوع، وتغلق في وجهه سبل العيش، ويحرم من حقه في مقاومة الحصار، ناهيك عن حقه في مقاومة الاحتلال .

لم نفاجأ ايضا بالموقف الرسمي الغربي، الذي كان ممالئا للعدوان ومبررا له، ولم نفاجأ بازدواجية معاييره وهو يوازن بين الدمارالهائل الذي ألحقته القنابل الاسرائيلية في القطاع وما خلفته من خسائر بشرية غير مسبوقة، وبين الصواريخ التي اطلقت على المستوطنات والبلدات الاسرائيلية، التي تتوفر لها قبة حماية حديدية، أين منها ما يتوفر لدول حلف الاطلسي.

في المقابل كانت هناك بعض ما يمكن التوقف عنده، عند حساب نتائج العدوان، ورصد ما خلفه من آثار ومفاجآت.

أول وأكبر هذه المفاجآت، تواضع ردة الفعل العربية على العدوان، ولا نقصد هنا ردة الفعل الرسمية التي، وإن كانت هي الأخرى أكثر تواضعا مما كان عليه الحال في إعتداءات سابقة، إلا أن ما نقصده هنا ردة الفعل الشعبية العربية، التي بدت متواضعة وغير متناسبة مع فداحة العدوان وفداحة الخسائر التي ألحقها، بشعب القطاع ومقدراته المحدودة أصلا .

ردة الفعل المتواضعة، تظهر أننا نعيش حالة جهنمية، لكل إمريء فيها شأن يغنيه، في مواجهة أفق مسدود، أو خيار محدود لا يزيد عن النجاة من الذبح، أوالبحث عن ملجأ.

كيف يمكن أن ننتظر مثلا ، من السوري الذي يعيش، منذ أربع سنوات، حربا أهلية أكلت الأخضر واليابس، وأزهقت عشرات الآلآف من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين وملايين اللاجئين والمشردين والمطاردين في منافي العالم، أن ينتصر للفلسطيني المقتول، أو يقتسم معه الوجع، وعنده من الأوجاع ما تنوء بحملها الجبال؟.

كيف يمكن للمواطن العربي أن يتبين بشاعة الجريمة التي ارتكبها الاسرائيليون في غزة، وينتفض لإدانتها، والتصدي لها، وهو يتابع يوميا بالصوت والصورة، ما يرتكبه أبناء جلدتنا وبإسمنا من فظائع وقتل باسم الدين حينا ودفاعا عن الطائفة أوالمذهب حينا آخر؟.

كيف يمكن لدول “الربيع العربي” أن تتحرك، لنصرة شعب فلسطين، والدفاع عن حقوقه وهي مشغولة بحروبها الداخلية، وحساباتها الحزبية، التي أتت على البقية الباقية من مظاهر الحياة الكريمة فيها، وباتت على شفير حروب أهلية تهدد وجود هذه الدول، واستقلالها ووحدتها الجغرافية؟.

كيف يمكن للاحزاب والمنظمات والتجمعات المدنية، أن تلعب دورا في عملية الحشد الجماهيري، والقيام بتنظيم تظاهرات واعتصامات لاستنكار العدوان، وهي مشغولة إما بتجاذبات، وتحالفات ايدولوجية ومذهبية، أو منخرطة في أولويات، واعتبارات حزبية أو طائفية؟.

كيف يتشكل خطاب عربي جامع إزاء ما يحدث في غزة، بعد أن تحول الاعلام العربي إلى أبواق تتبادل الاتهامات، وتتبارى في التهريج تعبيراً عن مصالح أنانية وأمان ذاتية، وبعد أن تشتت علماء الأمة، ورجالات الدين فيها بين فتاو ما أنزل الله بها من سلطان، أو خلافات أين منها خلافات علماء عصر الانحطاط؟

لأهل غزة نعتذر. فلدى كل منا جرح يغنيه، ويلهيه، ندعو لكم، وكل عدوان وأنتم بخير .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث