معنى تجريد غزة من السلاح

معنى تجريد غزة من السلاح
المصدر: تاج الدين عبد الحق

بالمعيار الحسابي المجرد، فإن الخسارة الفلسطينية في غزة لا يمكن مقارنتها بالخسائر البشرية والمادية التي لحقت بإسرائيل. لكننا نعلم أن هذه الخسائر على فداحتها وجسامتها، خاصة على أهالي الشهداء والجرحى، لا يجب أن تقاس بالمقياس الحسابي البحت.

وإلا لأصبحت خسائر الارواح التي تسببها حوادث الطائرات، و المرور أو العواصف والكوارث الطبيعية، والهزات الارضية، بنفس قيمة الارواح التي تقع ضحية لحروب التحرير و الدفاع عن الحريات والانتصار للمباديء، أو أن تتساوى هذه الأرواح الطاهرة، بأرواح أولئك الذين يقبلون على أنفسهم، أن يكونوا وقودا وحطبا، للإرهاب الأعمى، الذي يلبس لبوس الدين، ويتدثر بردائه.

في الحرب الإسرائيلية العدوانية على غزة يجب أن نأخذ بعين الاعتبار عند حساب التضحيات، الأهداف التي حددها كل طرف لهذه الحرب، كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار، الأبعاد الأخلاقية، والحقوقية ، التي يمكن أن تنتج عنها، وما تتركه تبعا لذلك من تأثير في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ومنذ البدء أعلنت إسرائيل أن هدفها من الحرب، هو تجريد قطاع غزة من الأسلحة وخاصة الصواريخ، وهدم الأنفاق خاصة تلك التي يمكن النفاذ منها إلى إسرائيل. وجعلت من هذا الهدف مدخلا لضرب حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتقويض حكومة المصالحة التي انتظرها الفلسطينيون أعواما عانوا خلالها من مرارة الانشقاق وآلامه المادية والمعنوية.

من الناحية الإسرائيلية أيضا، أرادت تل ابيب أن تلعب من خلال عدوانها، على وتر الخلاف بين القاهرة وحركة حماس، لتجعل منه تصفية حسابات بين الطرفين تحصد إسرائيل نتائجها.

وحتى الآن ليس هناك ما يشير إلى أن إسرائيل نجحت في تحقيق أي من تلك الأهداف رغم مرور ما يقرب من شهر على عدوانها، بل إنها على المستوى الأخلاقي والحقوقي فقدت الكثير من تأييد وتعاطف المجتمع الدولي، للدرجة التي أصبحت تجد فيها صعوبة في تسويق حججها، وروايتها التي تبرر بها عدوانها.

في المقابل فإن المقاومة الفلسطينية، التي لم تكن المبادرة في الحرب الأخيرة، ولم تكن هي البادئة، في خرق الهدنة، أو التهدئة، لم تجعل العدوان الإسرائيلي على القطاع نزهة سهلة، فأوقعت بقوات الاحتلال خسائر مادية وبشرية أظهرت تحسنا واضحا في جاهزية المقاومة وفي قدرتها على إلحاق الأذى بالمحتل.

وتجسدت هذه القدرة، بالعدد الكبير للقتلى الإسرائيليين، على تخوم القطاع ، وفي الخسائر التي ألحقتها الصواريخ بالعمق الإسرائيلي .

وقد شجعت هذه النتائج ، الغزيين على جعل هذه المواجهة الميدانية، بداية لتعديل الميزان السياسي المختل، الذي سمح باستمرار الحصار وإغلاق المعابر، فرفعوا سقف الأهداف التي يمكن أن تتحقق من وراء التضحيات التي قدمها أبناء القطاع إلى الآن.

أهل غزة ومن خلفهم الفلسطينيون، وهم يعملون على تعديل شروط وقواعد التعامل مع العدوان الإسرائيلي، يعرفون أن ظهرهم للحيط -كما يقال- وأنه ليس لديهم ما يخسرونه سوى ألم الحصار ومرارة الجوع.

لكن أهل غزة يعرفون أيضا، وهم يطالبون بفتح المعابر بدون شروط وفتح الميناء والمطار وإنهاء الحصار بكل مظاهره، أن الثمن الذي تطلبه إسرائيل مقابل ذلك، وهو تجريد المقاومة من سلاحها، ثمن كبير من الناحية المعنوية، وله وقع نفسي أكثر من تأثيره العملي فهو بالتحليل ليس أكثر من مناورة سياسية، تبرر بها إسرائيل عدوانها، و ترضي بها الداخل، أو تحاول من خلالها حفظ ماء وجه وتماسك الائتلاف الحاكم.

فالسلاح الفلسطيني بالرغم من الدعاية الإسرائيلية، لم يؤثر يوما، في معادلة التوازن العسكري الذي يميل بشدة لصالح إسرائيل، وهي في كل المرات التي تتحدث فيه عن هذا السلاح إنما تريد، تبرير استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية، وابتزاز حلفائها، واستدرار مزيد من التعاطف السياسي الدولي والدعم المادي من حلفائها الأقربين.

وإسرائيل عندما تطالب باتفاق يتم بموجبه نزع سلاح المقاومة تعلم قبل غيرها أن هذا السلاح لم يأت بتصريح من أحد، ولا يصل للمقاومة من خلال معابر مرصودة، أو قنوات معروفة.

ولذلك فإن مطالبتها بربط أي تهدئه مقبلة بقرار لنزع السلاح أو منع وصوله للقطاع،لا تعدو أن تكون نوعا من المناورة السياسية، والحرب النفسية، التي تفتقد أي قيمة قانونية، فضلا عن أنها تفتقد أي آليات تنفيذية حقيقية، وسيكون حال أي قرار من هذا النوع، حال القرار الخاص بسلاح المقاومة اللبنانية بعد التوصل إلى تهدئه حرب 2006.

فذلك القرار بالرغم من أنه ينص على فرض رقابة على تسليح المقاومة إلا أنه في الواقع ظل قرارا نظريا وظلت المقاومة تحصل على احتياجاتها من المعدات والأسلحة بعيدا عن أي رقابة دولية، أو متابعة إقليمية.

الفلسطينيون بالمقابل سيحققون في أي اتفاق -حتى لو تضمن نصوصا بشأن سلاح المقاومة-، جملة من النتائج لا تقتصر على فتح المعابر ورفع الحصار بل ستحمل أيضا نتائج سياسية أبرزها، أن الاتفاق الذي يعمل عليه وفد فلسطيني موحد، سيكون تعبيرا عن رؤية فلسطينية وطنية، لا تعبيرا عن مواقف فصائل في حركة المقاومة، وهو ما يعني توفير سابقة يستعيد العمل الفلسطيني بها قدرة التأثير التي فقدها في مرحلة الانقسام والتشتت.

كما أن مثل ذلك الاتفاق سيخرج فصائل المقاومة الفلسطينة من دوامة التجاذبات الإقليمية التي أضرت بها ووضعت بعضها في عزلة سياسية، وأفقدتها قدرة التأثير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث