دفن مسلم في مقبرة مسيحية..!

دفن مسلم في مقبرة مسيحية..!
المصدر: نظير مجلي

الخبر يقول إن مسلما باكستانيا يدعى عبدالله خادم حسين، حضر لزيارة أبنائه الذين يقيمون في فيرجينيا في الولايات المتحدة الأميركية، فأصيب بنوبة قلبية لم تمهله. وتوفي من فوره. وقد قررت زوجته وأبناؤه دفنه في إحدى المقابر المسيحية “مقابر حديقة النصب الوطني التذكاري”، في المدينة. فتوجه الى الكنيسة المسؤولة فوافقت. ولم تجد العائلة معارضة تذكر من أية جهة مسيحية، ولكن وفي أثناء تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير، إعترض شيخ المسجد المحلي، رافضاً إستكمال مراسم الدفن، حيث قال إن الإسلام يمنع دفن المسلم في المقابر المسيحية، إلا في حالة الضرورة، على أن يتم نقل الجثمان فيما بعد إلى مقابر المسلمين. بيد ان العائلة رفضت فتوى هذا الشيخ وجلبت فتوى من شيخ آخر أجاز هذا الدفن، “لأن الاسلام يعترف بما سبقه من ديانات سماوية ولا يجد مشكلة في الصلاة الاسلامية أو الدفن في المقبرة المسيحية.

كان لهذا الخبر ان يكون عاديا، لولا اننا نشهد عصرا غير عادي ابتلينا فيه بقوى لا تأخذ من الدين سوى الذيل. ففي عصر داعش، تكثر الفتاوى التي تفرق البشر وتمزق نساجهم الاجتماعي. وداعش التي بدأت حربها الاجرامية ضد المسلمين أولا، من السنيين قبل الشيعة، وتحارب بلا أخلاق ولا رحمة ولا ايمان ولا دين، وتدمر المساجد والمدارس، تحرص اليوم على محاربة المسيحيين في العراق وسورية ونهبهم واستضعافهم وتجريدهم من فخرهم في الانتماء الوطني لبلدهم ومن دورهم في بناء الأمة العربية وإنشاء حضارتها وإغناء ثقافتها.

وإذا كانت داعش ترتكب الجرائم ضد المسيحيين العراقيين، فإن ظهور شيخ يحرم دفن مسلم في مقبرة مسيحية في امريكا يبدو “حماقة صغيرة”. لكن من يريد الخير للاسلام، عليه ان يحارب هذه الظواهر الصغيرة حتى لا تكبر.

وينبغي ان نذكر للمعلومية، أن هذا الأمر كان قد أشغل فقهاء المسلمين منذ زمن الصحابة. وقد اختلفوا فيه. وأما اليوم فإنه يطرح على انه مسالة “دفن مسلم في مقبرة الكفرة”. فلماذا قرروا ان المقبرة المسيحية هي مقبرة كفرة؟ من أين لهم ان يعرفوا بأن المسيحيين المدفونين في هذه المقبرة هم كفرة؟ وإذا كان حضرة الشيخ يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، مع هؤلاء الكفرة في بلد واحد وربما في عمارة واحدة، فلماذا لا يجوز ان يموت ويدفن في مكان واحد معهم؟ ألا يؤمن الاسلام بالديانة المسيحية ويؤمن بان من يؤمن بالمسيحية فهو مؤمن؟

إن قرآننا الكريم يدعو المسيحيين بـ “أهل الكتاب”، أو “الذين أوتوا الكتاب من قبلكم” أو “الذين أتيناهم الكتاب” أو “النصارى”. ويصفهم القرآن بالإيمان وعبادة الله، وعمل الخير. ويقول في ذلك “مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ” (سورة آل عمران 113). ويقول أيضًا: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” (سورة البقرة 121). “وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ” (سورة النساء 131). “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ” (سورة القصص 52). ويأمر القرآن بمجادلتهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: “وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (سورة العنكبوت 46). ووضع القرآن النصارى في مركز الإفتاء في الدين، فقال: “فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ” (سورة يونس 94). وقال أيضًا: “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ” (سورة الأنبياء 7).

وبعد، لقد كانت في فلسطين التاريخية بلدة تدعى “سرين”، تقع بالقرب من مدينة بيسان في غور الأردن. وقد دمرت في النكبة. لكن مقبرتها ما زالت قائمة حتى اليوم، وفيها مقبرة مشتركة للمسلمين والمسيحيين الفلسطينيين. القبر المسلم بجانب القبر المسيحي، اتسم الأول برسم الهلال والثاني برسم الصليب. يبدو ان الشيوخ في تلك القرية كانوا براء من الجهل والصفاقة يومها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث