الدلع الفلسطيني والهلع الإسرائيلي

الدلع الفلسطيني والهلع الإسرائيلي
المصدر: تاج الدين عبد الحق

يصنف الإسرائيليون، حالات الهلع التي يصاب بها سكان المدن والبلدات الإسرائيلية التي تعرضت للهجمات الصاروخية الفلسطينية خلال العدوان على عزة، بأنها إصابات.

ووفق هذا التصنيف، يصبح عدد المصابين الإسرائيليين أكثر من 450 مصاباً، هذا بخلاف الذين أصيبوا في الميدان والذين تتكتم قوات الاحتلال عن عددهم وإصاباتهم، حفظاً للمعنويات وحفاظاً على الهيبة.

بالمحصلة تقدم إسرائيل إحصائية، تبدو للوهلة الأولى متكافئة نسبياً بين المعتدي، والمعتدى عليه، لتريح من خلالها ضمير العالم الغربي الذي يمكن أن يتأثر بالإحصائيات الفلسطينية، ومشاهد جثث الأطفال الذين كانوا ضحايا القصف الجوي أو العدوان البري، وكذلك مشاهد الدمار التي حولت أحياء كاملة إلى أطلال مجبولة أحيانا بالدم و وأحيانا باللحم.

الإحصائية الإسرائيلية مفيدة وضرورية أيضاً، للمسؤولين الغربيين، الذين تباروا في الإشارة لحق إسرائيل بالدفاع عن مواطنيها في مواجهة الصواريخ الفلسطينية، دون أن يعنيهم أو يشغل بالهم موضوع الاحتلال الذي يعد السبب الأساسي للعنف المتواصل منذ ما يزيد عن 60 عاماً، ودون أن يعنيهم الحصار الخانق الذي يعيشه القطاع، والذي يحيل الحياة إلى موت بطيء، يتساوى في قسوته وجبروته الموت بالرصاص المسكوب أو أعمدة السحاب أو قذائف الجرف الصامد.

الإسرائيليون يقدمون لحلفائهم في الغرب أيضاً، قصة الدروع البشرية التي يتخذها المسلحون ورجال المقاومة والتي تسبب هذا العدد الكبير من الخسائر في صفوف المدنيين، وبالتالي فإن من “يقتل المدنين حسبما قال بنيامين نتنياهو هم مسلحو حماس وليست طائرات ودبابات جنود الاحتلال”.

إسرائيل استحدثت هذه المرة رواية أخرى لتعزيز رواية الدروع البشرية، عندما رددت – بلا خجل – انها أنذرت الفلسطينين، وطلبت منهم إخلاء بيوتهم قبل أن تهاجمها، لكنها لم تقل إلى أين يمكن أن يذهب مئات آلاف المهجرين في مدينة هي الأكثر كثافة سكانية في العالم. طبعاً إسرائيل تراهن على غفلة معروفة في الدوائر الغربية عن مثل هذه التفاصيل، أو تجاهل مقصود في وسائل إعلامه لمثل هذه الحقائق.

المشكلة أن الفلسطينيين لا يملكون إمكانيات مادية وتقنية لبناء قبة حديدية كتلك التي بنتها إسرائيل لحماية مدنها وبلداتها، كما أن جغرافية القطاع المكتظ بحوالي مليون وثمانمائة ألف فلسطيني وضمن مساحة لا تزيد عن 360 كيلو متراً مربعاً، لا توفر أي إمكانية لبناء تحصينات دفاعية غير ما يتوفر في القطاع من دم ولحم. هذا مع العلم أن اسرائيل تفرض حصاراً على دخول الإسمنت والحديد للقطاع، بحجة أن هذه المواد تسهم في بناء الانفاق التي يتسلل منها “الارهابيون” على حد وصفها.

وبمناسبة الأنفاق، فإن الرواية الإسرائيلية تثير العجب، فهي من جانب تصر على إبقاء بل وتشديد الحصار، وتستنكر في نفس الوقت بناء الانفاق، متجاهلة أن هذه الأنفاق لا تستخدم فقط لتهريب السلاح أو المعدات الحربية بل إنها مصدر رزق وشريان حياة لكثير من أهالي القطاع الذين لا يجدون بديلاً عنها كوسيلة يتواصلون بها مع العالم الخارجي.

ثالثة الأثافي كما جاء في الأثر، أو عاشرها حسب روايات إسرائيل الكثر، تردد تل أبيب أنها مع وقف إطلاق النار، وتظهر الاستعداد للتهدئة، حتى بالشروط التي كانت سبباً في انتهاكها مرة بعد أخرى، في محاولة لتسويق طبيعتها المسالمة، مختزلة في ذلك الرواية بالفصل الأخير حتى توهم السامعين أو المشاهدين بأن الطرف الآخر هو من يرفض اليد الممدودة، وأنها لا تملك حولاً ولا قوة إزاء إصرار ذلك الطرف على مواصلة إطلاق النار. طبعاً لا تعتني إسرائيل بشرح الأسباب التي أدت إلى إطلاق النار أصلاً، ولا تشير إلى منبع العنف المتمثل دائماً وأبداً بالاحتلال والحصار.

ما تقوله إسرائيل أمام الإعلام لا يعنينا، ولا يغير أو يؤثر في موقفنا، ولا في توصيف معادلة صراعنا مع الاحتلال، لكن الضحية هنا الدوائر الغربية التي تردد المقولات الإسرائيلية، فهي تتحول دون أن تدري إلى أبواق عنصرية، تساوي بين المقاومة والاحتلال، والقبة الحديدية والدروع البشرية، وتجعل من الهلع الإسرائيلي إصابة تستحق الشفقة، ومن الموت بالطائرات والقذائف الفسفورية، نوعاً من الدلع الذي يستحق العقاب والتنديد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث