زاكاري كرابل.. عن الإسلام والغرب

زاكاري كرابل.. عن الإسلام والغرب
المصدر: إميل أمين

في كتابه “العمدة أهل الكتاب .. التاريخ المنسي لعلاقة الاسلام بالغرب” يطرح المؤلف الامريكي والمؤرخ ” زاكري كارابل ” سؤالا حوهريا ربما تكون ايام شهر رمضان الفضيل افضل موعد لاعادة طرحه مخلصين معه التساؤل والبحث عن الجواب والسؤال: “ما الذي يغذي العداوة بين الإسلام والغرب؟

هذا سؤال هام جداً والاجابة الاولية عليه تتلخص في إشكاليتين: “الجهل والذاكرة الانتقائية” ، ذلك ان الذاكرة الجمعية لتاريخ الاديان الابراهيمية الثلاثة مليئة بمشاهد تراثية للتعايش الانساني المشترك والخبرات الروحية والحياتية المتبادلة حتى وان لم يكن بالضرورة كل ما فات كان صفاء زلالاا او سخاءا رخاءا.

في هذا السياق ربما لا يؤدي استخلاص تراث التعايش السلمي إلى جعل العالم آمنا بالمطلق، لكنه قطعاً سيؤدي إلى تبيان حقيقة مهمة وهي أن الإسلام والغرب لا حاجة بهما إلى التشابك في رقصة الموت. وبقدر ما تتمسك كل عقيدة بفكرة أنها وحدها هي التي تملك مفاتيح الحقيقة والخلاص، سوف تكون هناك نسبة من التوتر. أما التنافس والتسابق فلا يقودان بالضرورة إلى الحرب والعنف.

لقد عاش المسيحيون واليهود والمسلمون معاً على نحو بناء مثمر، ولقد علم بعضهم بعضاً، وتعلم بعضهم من بعض. وقد كان الدين اليهودي جوهرياً بالنسبة إلى تشكل الإسلام، وعبر ألف وأربعمائة سنة، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، نعم اليهود تحت الحكم الإسلامي بالأمن والحرية والحكم الذاتي على نحو أكبر مما نالوه على الإطلاق في ظل الحكم المسيحي، فلقد سمح نظام الحكم الإسلامي بالتعددية الدينية، ولم يلزم جانب الإصرار على محاولة تحويل أبناء الديانات الأخرى عن دينهم. ومنذ صدر الإسلام، كانت الدول المسيحية والإسلامية تتداول التجارة فيما بينها. وعبر أربعة عشر قرناً من الزمان، حارب المسيحيون كجنود في الجيوش الإسلامية، ثم في القرن العشرين أضحى العرب المسيحيون أداة محورية لتكوين دول الشرق الأوسط المعاصر.

كانت مدينة قرطبة في أواسط القرن التاسع الميلادي موئلا لبراعم تتفتح، حيث أوجد الأمويون المنفيون من دمشق لأنفسهم مملكة، وكانت قرطبة درتها، وقد تطورت أسبانيا تحت حكم الرومان، إلا أنها ازدهرت أكثر في ظل حكم المسلمين، وفي منتصف القرن التاسع الميلادي، دخلت الأندلس حقبة لا تضاهي من حيث النمو والرخاء، ولبرهة من الزمن في الواقع ، كانت أسبانيا الإسلامية أكثر بقعة حيوية على الأرض، مكانا شهد الانصهار السحري للتجارة، والعلم والقوة التي وضعتها على مصاف الإغريق القدامى، وروما الإمبراطورية، وسلالة هان الصينية، والنهضة الإيطالية.

وباستثناء أقصى الشمال والغرب من إيبريا، كان كامل شبه الجزيرة يتبع لحكم قرطبة، المدينة التي كانت تجاري بغداد كقاعدة للثقافة، والثراء، والتجارة والعلم، وكما في المناطق الشرقية من العالم الإسلامي، كان المسلمون أقل عدداً من المسيحيين، وكانت أسبانيا أيضاً موطناً لأعداد كبيرة من اليهود الذين هاجروا إليها في القرن الثاني الميلادي، وبينما كان معدل التحول إلى الإسلام في أسبانيا أسرع مما كان عليه في العراق ومصر في منتصف القرن التاسع الميلادي، فإن المسلمين كانوا بعيدين كل البعد عن كونهم الغالبية من السكان، وعلى ذلك تبوأ كل من اليهود والمسيحيين مناصب رفيعة في المجتمع، وكان لهم نصيب من منافع القوة والثراء المتزايد لقرطبة .

يخبرنا “زاكري كارابل” بأن العلاقات بين أهل الكتاب بشكل عام، وبين المسلمين واليهود بشكل خاص، كانت قالباً عاماً: كان الربع منه معروف بالعنف والكراهية، ولكن هناك أجزاء أخرى تتراوح بين الأنفة والاحترام الضنين، إلى التعاون الفعال لأهداف مشتركة، وقد تضمنت هذه الأهداف عادة متابعة المعرفة ومهمة ترجمة فلسفة العالم القديم وحكمته.

كان هناك أيضاً تعاون بين فلاحي المسلمين والمسيحيين في الأندلس، الذين كانوا في كثير من الأحيان يحتفلون بأعياد بعضهم ويصلون جنباً إلى جنب، وكان كل واحد منهم يحتاج لحصاد جيد فرأوا أن ترديد المسيحي لصلوات المسلم، وترديد المسلم لترانيم المسيحي، قد يساعد في نظرهم على ضمان نزول المطر وسقاية الأرض وحصاد الحبوب… التعايش ممكن لكن يبقى السؤال من جديد: “كيف وبأي اليات”؟ الى لقاء اخر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث