حتى في دبي.. مصر تتحدث عن نفسها

حتى في دبي.. مصر تتحدث عن نفسها
المصدر: جيهان الغرباوي

بعد 14 يوم قضيتها بين دبي والشارقة وأبو ظبي و العين ، عدت إلى مصر أحكي لأصدقائي عن ناطحات السحاب الزجاجية وفخامة المراكز التجارية وأحدث موديلات السيارات في الشوارع ومحلات الذهب التي تبيع “بالكيلو” والفنادق التي تستقبل زبائنها على مهبط الطائرات ، والطرق التى تجرى فيها افخر انواع السيارات ..

وفجأة سألني أحد الأصدقاء عن طبيعة الشعب الأماراتي والصفات التي تميزه عن سواه (؟) فوجدتني أصمت.. وأهز كتفيّ.. وأقلب شفتي.. وأتذكر الحوار المأثورة الذي كتبه وحيد حامد في فيلم سوق المتعة:

-شفت بطاقته؟ ..

– لأ.. شفت فلوسه!

• في معظم بلدان العالم يستطيع السائح أن يكون فكرة أو يأخذ انطباعا سريعا عن الشعب الذي يزور بلاده.. إلا في الامارات والأخص في دبي.

هناك إذا دخلت فندقا تعاملت مع أجانب من أوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا والصين وإذا ذهبت للتسوق تعاملت مع الهنود وإذا ركبت تاكسي تعاملت مع الباكستان وإذا اتصلت بإدارة العلاقات العامة في اي مؤسسة كبرى تعاملت مع اللبنانيين وعلى خطوط الطيران الوطنية ستجد الروس وفي المطاعم ستجد معظمهم مصريين!

هناك أكثر من 100 جنسية عربية وأوروبية وشرق آسيوية يعمل مواطنوها في مختلف المجالات والشركات والمطاعم والمحلات التي تملأ دبي..

لدرجة قد تحجب عنك رؤية أهل البلد الأصلين وتحول دون الاحتكاك بهم أو معرفتهم عن قرب خاصة إذا جئت هذه البلد سائحا عابرا وليس للعمل والاقامة.

• سوق الذهب في دبي هو الفرصة الأعظم والطريقة الأوفر حظا لمقابلة أكبر عدد ممكن من أهل الأمارات الكرام في زيهم الوطني المميز..

السوق عبارة عن ميدان كبير يتلألأ بالأنوار.. تتصدره مبان ضخمة الأعمدة مهيبة الشكل ملكية التصميم ويحتوي في احشائه على عدة شوارع ضيقة متوازية ونظيفة ومكتظة بمحلات الحلي الذهبية والماسي ذات الفتارين الزجاجية اللامعة التي تكشف عن أغلى المجوهرات وأكبر تشكيلة حلي في العالم لدرجة تجاوزت الخواتم والأساور والأقراط ووصلت إلى أغطية الرأس التي تشبه ماكان تضعه كليوباترا على شعرها وكذا أميرات العهد الفرعوني السعيد!

في كل محل سيقابلك ذهب هندي وسعودي وإيطالي وسنغافوري وماليزي وكل ما تتوقعه أو سمعت عنه من أصناف الذهب الأصفر والأبيض والخالص والملون والمطعم بالأحجار الكريمة أو المشغولة بالماس الحر أو المجدول مع عقود اللؤلؤ.

الطريف أن الزحام في هذه المحلات يذكرك بالطوابير عندنا و ازدحامنا أمام فرن العيش وفي محطات الأتوبيس.

والفارق أنهم هناك في محلات الذهب الاماراتي ، يقدمون لجمهور المنتظرين في الطوابير مقاعد صغيرة ليستريحوا لو طال بهم الوقوف ومعها بعض علب العصير الطبيعي كواجب ضيافة غير مدفوع الأجر سواء أشتريت أو دخلت وألقيت نظرة وخرجت دون شراء!

وقد لاحظت أن الذي يدخل ويلقي نظرة ويخرج هو غالبا من السواح الأجانب أو من الوافدين المغتربين.

أما الإماراتيون أهل البلد فكلهم مغرم بشراء الذهب واقتنائه، فهو لا يتأخر في محل الذهب أكثر من دقائق معدودة ، وبعدها يخرج محملا بعدد من علب القطيفة الحمراء التي تضم ما خف حمله أو حتى ما ثقل حمله وغلا ثمنه: ذهب.. ماس.. ياقوت.. زبرجد.. (أحمدك يا رب).

ونخرج من أكبر سوق لتجارة الذهب في العالم متوجهين إلى أشهر المجمعات التجارية في نفس المدينة. إنه مجمع “وافي” الذي يشتهر باسم مجمع الأهرامات الجيزة، حتى يبدو لمن يدخله كأنه قطعة من أرض مصر! في الطريق المؤدي للأهرامات الثلاثة ستمر على تمثال رمسيس، الذي ينتصب في الطريق وسط حديقة ورد رائعة، تضفي إلى عظمة التمثال الفرعوني وجها حضاريا آخر من الرقة والعذوبة وبالقرب من رمسيس تشاهد ممر الكباش كأنك في الأقصر، على الأبواب الزجاجية رسوم فرعونية كأنك في أبو سمبل، وعلى السجاد رمز “مفتاح الحياة” وفي “الكوفي شوب” كتب وخرائط وكروت سياحة عن مصر الفرعونية القديمة، وفي الزوايا تماثيل نحاسية لنفرتيتي وكليوباترا ومارك أنطونيو!

هذا المجمع الذي يبيع أغلى البضائع من العطور الباريسية وأزياء بيوت الموضة الايطالية ويضم أشهر أسماء لأهم بيوت التجميل والمكياج في العالم. يحيط كل معروضاته بسياج مذهب له شكل الأهرامات في دلالة واضحة على عظمة وقيمة كل ما يحتويه المكان ويقدمه لرواده، أجانب أو عرب .

وبعيدا عن مراكز “وافي تستطيع أن تلمح مصر وتحس روحها في أكثر من مكان هنا.. في مقهي “أم كلثوم” ومقهى ” الحرافيش” في مطعم “أناميشو” للفول والطعمية والكشري.. وفي المساء اذهب إلى حيث الحدائق المطلة على ساحل الخليج العربي، وحيث يتجمع المصريون المغتربون، وكأنهم على “كورنيش النيل” يتسامرون ويعقدون حلقات الشواء والشاي و “الشيشة” التي يتطاير منها دخان معسل مصري الصنع شهير، يطلبه المصريون والعرب بالأسم من كل وافد جديد، وقادم لتوه من مصر المحروسة. والمصريون كعادتهم هنا وفي كل مكان.. “عشريون” يحبون “اللمة” والصحبة، لذلك غالبا ما تجد أسرة مصرية ومعها اصدقاؤها –من جيران العمارة أو زملاء العمل العرب .. وقد تجد نفسك بينهم كأنك شريك في اجتماع موسع لجامعة الدول العربية (على مستوى القاعدة).

الازمات والمشاكل العربية مشتركة كاللغة والتاريخ والمعاناة التي أولتهم جميعا للعمل خارج موطنهم الأصلي (مسقط رأسهم).

الكل يتحدث بروح عربية دافئة، لو أحسستها مثلي وعايشتها عن قرب، لتعجبت لموقف الدول العربية المشتت (أشتاتا.. أشتوت).

 “رياض” شاب فلسطيني الأصل والنشأة، لم تسبق له زيارة مصر ولو مرة.. ومع ذلك فهو وكل اصدقائه المصريين، يؤكدون أنه فلسطيني من بولاق الدكرور وذلك لفرط اتقانه أفيهات العامية المصرية و”فقشات” رواد المقاهي في الحسين، وحفظه أغاني أم كلثوم وعبد الحليم وحبه لأفلام إسماعيل ياسين وشغفه بالكشري والمحشي والفول المدمس

 العجيب أن “رياض” يحمل ملامح أقرب ما تكون للعراقيين تعرف إلى زوجته الفلسطينية بالأردن، ثم تزوجها وأنجبا “بشار” و”باسل” وسافرا ليعملا بالكويت، حتى حدثت “عاصفة الصحراء” ففرا من حرب الخليج في اتجاه “الإمارات العربية المتحدة” وهاهم يقيمون ويعملون بها إلى الآن.

إنه رجل واحد يلخص “قصة حياة الوطن العربي” وأجمل ما في القصة أحداثها الساخرة الأخيرة.. فقد صار لولديه “بشار” و “باسل” اصدقاء كثيرون من الأطفال في مثل عمرهما.

أحد هؤلاء الأطفال هو “أسامة” الذي لا يتعدى عمره السنوات السبع، وهو ابن طبيب مصري شاب جاء بزوجته وأولاده ليعمل في “دبي” منذ سنوات قريبة واختلط كغيره من المصريين الودودين بالمغتربين العرب من حوله ، وكانت النتيجة صداقة حميمة رائعة بين أسامة وباسل وبشار، الذين كتبت لهم طفولة مغتربة لها نفس الطروف تقريبا، وربما لها نفس المصير.. لكن الأكيد حتى الآن أن “أسامة” يرى نفسه تماما كأصدقائه في كل شيء لذا عندما يسأله أحد: “انت منين؟” يجيب باقتناع كامل وإيمان شديد: بابا من مصر وماما من مصر.. وأنا فلسطيني”!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث