خصخصة المرتزقة

بعض الدول وسعت مفهوم الخصصة وإقتصاد السوق ، وحولته إلى سلوك إجتماعي يبيح بيع وشراء أي خدمة أو أي سلعة لمن يدفع أكثر، دون مراعاة لأي معايير أخلاقية أو قيم مجتمعية

خصخصة المرتزقة

بقلم تاج الدين عبد الحق

بين إقتصاد السوق،  ومجتمع السوق،  خيط رفيع، لا نتبين لونه، أبيضا كان  أم أسودا،  إلا بتحديد واضح للحدود الفاصلة بين  المصطلحين. فإقتصاد السوق ببساطة،  قائم على تقييم السلع،  والخدمات بقيمتها الحقيقية، بما يحفز على تطوير المنتجات،  وترشيد الاستهلاك،   وتحسيين الأداء، الذي ينعكس بالضرورة، على رفاه الافراد من جهة،  والمجتمع ككل من جهة ثانية. أما مجتمع السوق فهو تعبير يعني : أن كل شيء قابل للتقييم والتسعيير،  والبيع  والشراء،  بما في ذلك قيم المجتمع،  ومثله،  ومعتقداته،  وتراثه ، وهو ما قد يؤدي إلى شرعنة الفساد وإضفاء طابع قانوني عليه. والامثلة التي توضح الفرق بين المصطلحين كثيرة وعديدة، نبدأ بأكثرها شيوعا ومساسا بحياة الناس،  وهو الخبز.  فسعره في كثير من الدول يقل عن كلفته الحقيقية بكثير، بل إن سعره   في بعض الدول أصبح أدنى من سعر الاعلاف. وبالأساس كان الهدف من دعم اسعاره هدفا نبيلا،   وهو توفيرة بسعر معتدل، حتى يكون في متناول جميع الناس.  لكن مع الزمن، فتح هذا الدعم بابا واسعا للهدر،  وسوء الاستهلاك، والتوزيع، لا للخبز وحده،  بل لسلسلة طويلة،  من الخدمات، والسلع التي كان لدعمها أهدافا سياسية، تتناقض مع مصلحة المجتمع، وتوظف  لتأمين الولاءات القبلية والحزبية،  ولإضفاء شرعية،  على بعض انظمة الحكم التي إغتصبت السلطة إغتصابا . على أن قدرة الحكومات على تخصيص موارد لدعم السلع،  وضعها أمام إختبار، لم تكن تقوى على إجتيازه،  إلا بقرارات صعبه أدت إلى اضطرابات سياسية وإجتماعية، عصفت بأنظمة وهددت وجود أخرى. وكانت النتيجة شيوع مصطلح إقتصاد السوق والخصخصة،  التي تعني ترك آليات العرض والطلب، وكلفة المنتج، هي من يحكم  السوق،  ويحدد   قيمة أي سلعة،  وأي خدمة. وكان ذلك مقبولا إلى حد كبير بالرغم من المقاومة التي جوبهت بها بعض القرارات، الآ ان بعض الحكوما ت توسعت في  هذا الاتجاة، للدرجة التي أصبحت فيها بعض القيم الاجتماعية عرضة للتقييم التجاري وإلى مقاييس البيع والشراء.فاصبحت الخدمة الأفضل لمن يدفع أكثر لا لمن يستحق، فيضطر أحدهم للانتظار عدة ساعات لإنجاز معاملة في دائرة حكومية فيما يكون آخر قادرا على إختصار مدة إنتظاره لإنجاز نفس المعاملة وبنفس الآليات  لبضع دقائق مقابل دفع مبلغ إضافي على الرسوم المقررة . المفارقة هنا أن لا قيمة إضافية على طبيعة الخدمة، ولا زيادة في دخل من يتولى تنفيذها،  وجل ما فعلته الدائرة الحكومية المفترض أنها تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، أنها  أهدرت وقت مواطن لصالح مواطن آخر  وقبضت الثمن، وهذا لعمرى شرعنة لفساد مزمن، عانينا منه في كثير من بلادنا  حين كان الموظف الحكومي يقوم بإنجاز معاملات  بعض الناس،  بسرعة أكبر مقابل حصوله على رشوة، أو مبلغ مالي يتقاضاه،  دون وجه حق، على حساب مراجع آخر،  مستغلا حاجتة، أو مستغفلا جهله بحقوقه..

الأدهى من ذلك أن بعض الدول توسعت في الانزلاق بمفهوم الخصصة وإقتصاد السوق، وتحويله إلى سلوك إجتماعي يبيح بيع وشراء أي خدمة أو أي سلعة لمن يدفع أكثر، فلم تتورع مثلا عن،   إضفاء طابع قانوني على عمل من يوصفون في أدبيات الدول قديما وحديثا  بالمرتزقة، حيث استعانت باسم الخصخصة، بقتلة مأجورين، وأطلقت عليهم تعبير المتعاقدين، أو الشركات الأمنية،  للقيام بواجبات ومهام تفتقر إلى المعايير والاسس الأخلاقية، حيث ينحصر هدفها بأمر وحيد هو الحصول على المال، بل إن معايير هذه الفئة، غالبا ما كانت تتجاوز الحدود الموضوعة لها،  والمتوقعة منها، إما رغبة في تحسيين سجلها  الوظيفي والمهني، طمعا في تعاقدات أخرى أو إرضاء لشهوات ونزعات القتل المزروعة في نفوس أفرادها،   وإبحثوا عن ذلك في تجربة هؤلاء في العراق، وغيرها من الدول التي تم “تحريرها “.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث