كله عند غزة “صابون”

كله عند غزة “صابون”
المصدر: تاج الدين عبد الحق

ثمة مفارقة في مشهد القتل والدمار الذي تعيشه غزة منذ ما يزيد عن عشرة أيام.

ففي خلفية المشهد الدامي هناك اتفاق اسرائيلي حمساوي، غير معلن على أن ضعف القطاع في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، هو مصدر قوته، ومبعث صموده. وأن ما تسفر عنه المواجهة الحالية قد يغير كثيرا من المعادلات والتوازنات.

فإسرائيل تراهن، بلا خجل على آلام الغزيين وأرواحهم وجراحهم،كوسيلة يضغطون من خلالها على حماس لوقف إطلاق الصواريخ.

فيما تحاول حماس استثمار هذا العدوان وما يخلفه من ضحايا لتسوية حسابات إقليمية معلقة، ولاستعادة موقع الحركة على المستوى الوطني ومكانتها في المسرح الإقليمي.

بالنسبة لإسرائيل وبغض النظر عن الطابع غير الأخلاقي الذي تحمله الرؤية الاسرائيلية لكيفية إنهاء الصراع مع حماس وكيفية إخضاع القطاع وتدجين أهله، فإن إسرائيل تخطيء التقدير مرة أخرى، وهي تكرر في هذا أخطاء المرات السابقة التي لم تستطع فيها تغيير المعادلة على الأرض، ولا لجم المقاومة أو تحجيمها.

فهي ُتفاجأ اليوم بأن الجرف الصامد لا يختلف في النتيجة، عن الرصاص المسكوب ولا يعطيها ما فشل عمود السحاب في إعطائه لها، فكله عند أهل القطاع على ما يبدو “صابون” وعدوان، مهما اختلفت المسميات، ومهما تباينت التوصيفات.

قطاع غزة ليس لديه ما يخسره. فأهل القطاع مهما تفاوتت أوضاعهم المعيشية، وظروف حياتهم اليومية، يتقاسمون الفقر بكل مافيه من قسوة، والحصار بكل مافيه من ظلم، ويتقاسمون الاحتلال بكل مافيه من إذلال، ويتشاركون ألم الإعتقال بكل ما فيه من مرارة. لا فرق في هذا بين غني أو فقير، ولا كبير أو صغير. الكل تحت مزراب عقوبات جماعية ، لا تستثني أحدا.

والأمان الذي كان يعيشه القطاع بين حين وآخر كان على الدوام آمانا خادعا، والغزيون يعرفون أنه آمان مؤقت، مادامت مفاتيحه بيد إسرائيل، لا على المستوى الأمني فقط بل على المستوى المعيشي أيضا.

الآمان المؤقت ، المرتبط بالاحتلال، ليس الآمان الذي يمكن للغزيين أن يستبدلوا به المقاومة ،حتى لو لم تكن هذه المقاومة على المقاس المطلوب.

فبالتجربة الميدانية ،فإن ما حققه الغزيون من آمان مؤقت، أو نسبي أعطته لهم المقاومة ، ولم يكن منحة من الاحتلال. ولذلك فإن محاولة إسرائيل تسويق الآمان المؤقت المغمس بالاحتلال، كبديل عن المقاومة، محاولة فاشلة خاصة في سوق أتقنت معايشة المعاناة وإقتسام الآلآم.

في المقلب الآخر، تراهن حماس على تضحيات الفلسطينين ومشاهد القتل والدمار كوسيلة تعاطف تستعيد من خلاله دورها الإقليمي، أو كوسيلة ضغط على اسرائيل لوقف عدوانها، أو على الأقل تخفيف وتيرة عملياتها العسكرية الجوية والبرية، للمستوى الذي يعطي للحركة فرصة قطف الثمار السياسية للتضحيات التي يقدمها الغزيون.

ومع أننا لا ننكر على حماس -المسيطرة عمليا على القطاع- حقها في استثمار تضحيات الفلسطينيين في القطاع استثمارا سياسيا بما يخدم هدف التحرير، ويضمن الانعتاق من طوق الحصار، ومن ذل الاحتلال، والاعتقال، فإن ما يثير التساؤل، محاولة بعض القيادات الحمساوية، استثمار هذه التضحيات في تحقيق مصالح فئوية ضيقة، والدخول في حسابات سياسية ضيقة.

فالتحرك السياسي الحمساوي الذي صاحب العدوان الإسرائيلي، أظهر أن هناك توجها خفيا حينا، وظاهرا حينا آخر، لمراجعة صيغة المصالحة الوطنية الفلسطينة الأخيرة، والتي كانت قد صيغت في ظروف، اعتبرها البعض ضاغطة على حماس، ودفعتها للقبول بشروط، تشعر الحركة الآن، بأن الأحداث والعدوان على غزة تجاوزتها، وأفرزت معطيات جديدة تسمح بمراجعتها، أو الالتفاف عليها.

التحرك الحمساوي أراد أيضا، من خلال ما يحدث في غزة، أن يعيد ترميم علاقات الحركة الإقليمية، واستعادة وهجها، الذي خبا، بسبب تذبذب تحالفاتها، وتخبطها بين قوى إقليمية متنافسة، ليس لفلسطين ولا لفصائلها من مصلحة في تأجيج اختلافها وزيادة تناقضاتها، خاصة، إزاء القضية الفلسطينية التي كانت على الدوام عنصرا جامعا، تنتهي عنده التناقضات وتتوقف معه الاختلافات.

لم يكن لحماس وهي الطرف الضعيف سياسيا، وأمنيا، أن تدخل على خط الخلافات الإقليمية، وهي تعلم أن مكاسبها من هذا الطرف اليوم، ستدفع مقابلها لطرف ثان في يوم آخر.

في حمى الاتصالات السياسية الجارية لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، نتذكر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات -الذي تصادف بالمناسبة ذكرى رحيله العاشرة هذه الأيام–.

فهو لم يجعل من خلافاته السياسية مع كثير من الاطراف سببا لقطيعة مع أحد، فكان قادرا على توظيف التناقضات ليبقي القضية الفلسطينية رقما صعبا، وعصيا على التجاهل في أي معادلة إقليمية أو دولية .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث