لعبة السيكولوجيا وكرة القدم

لعبة السيكولوجيا وكرة القدم

موفق محادين

قبل أن تكون كرة القدم، لعبة رياضية، كانت ولاتزال لعبة سيكولوجيةسياسية أولا وقبل كل شيء..

وقبل أن تكون الميادين الخضراء والمدرجات الفسيحة ميدانها المعروف، كان البشر ميدانها الحقيقي، من الارستقراطيات والمجالدين إلى ما انتهت اليه ..

ولم يتعرف العالم عليها على يد الانجليز قبل قرنين، أو على يد حضارات المايا في غابر الأيام، كما يقال، مما يفسر انتشارها اللاتيني، بل هي أسبق من ذلك في دلالتها ووظيفتها السيكولوجية …

في الأساطير الاغريقية كان ثمة الهة وثنية يستمتعون بصراع العبيد حتى الموت، بيد أن الرومان هم الذين جعلوا من هذا الصراع ظاهرة حقيقية في انحطاطها ودمويتها وهمجيتها.

فقد كان الأباطرة يستمتعون بصراع الأسرى من المجالدين (المقاتلين) حتى الموت وهم في مقصوراتهم الذهبية في أعلى المدرجات الحجرية .

كما اخترع الجمهور (الفقير) شكلاً مماثلا رحيما على البشر، و(همجيا) على أنواع من الطيور، هي مصارعة الديوك، التي انتقلت من اوروبا وشرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية، وجسدها الروائي ماركيز في روايته (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه)..

ولنا أن نقول أن كرة القدم هي (الوريث) الحقيقي لهذه العوالم وخاصة مع ازدهار العنف واحتدام الصراعات الطبقية والسياسية.. ولم يكن عبثا أنها في تلك العقود كانت (مهوى الأفئدة) في البدان الفاشية .

بل إن الديكتاتورية في بلد صغير مثل الارغواي نالت أول بطولة عالمية، كما نظمت الهتلرية أكبر مونديال عالمي لكرة القدم ، وكان هتلر وموسوليني من المعجبين بهذه اللعبة .

وحيثما ازدهرت الدكتاتوريات والأزمات الكبرى في تلك العقود ازدهرت كرة القدم ، ولم يكن بلا معنى، أن يصفها فرانكو، دكتاتور اسبانيا، بأنها لاتقل روعة عن مصارعة الثيران، وهنا تتضح الدلالات والوظائف السيكولوجية لهذه اللعبة:-

1. الدلالة أو الوظيفة الأولى، هي تنفيس الاحتقانات الطبقية والسياسية عند الجماعات المقهورة ، ولكن على المدرجات وفي الشباك بدلاً من الميادين والشوارع والصراعات الاجتماعية ضد القوى السائدة والحاكمة.

وحسب دراسة قديمة عن كرة القدم السياسية في أسبانيا فرانكو، كان الدكتاتور يناقش مع المسؤولين في اتحاد كرة القدم أنظمة تزيد من الأهداف في كل مرة وتتجنب التعادل قدر الامكان، فمن شأن التعادل زيادة الاحتقان الشعبي بدلا من تنفيسه..

2. الدلالة أو الوظيفة الثانية هي ، (الإزاحة) من نقد السلطات ومن صناعة الأبطال الشعبيين في السياسة إلى عوالم كرة القدم وصناعة نجومها وتسويقهم، وهو ما التقطه رسام كاريكاتور في بوليفيا قبل عقود عندما غابت صورة غيفارا خلف لاعبي المنتخب الوطني… وهكذا..

ووجه المفارقة في كل ما سبق أنني مثلا إذ أدرك ما سبق، أحب كرة القدم وأمارس الازاحة والتنفيس وأجد نفسي ضمن جمهور يحب البرازيل والمانيا مثلا، ويتعاطف مع أي بلد كان ضمن المعسكر الشرقي سابقا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث