.. كانت تحبه !

.. كانت تحبه !

جيهان الغرباوي

كانت تحبه .. وكان حبها له يستفزنا، و يغيظني أنا بالذات، فكلما رأيتها تنظر نحوه او تستمع باهتمام لكلامه، وتعليقاته العابرة مع من حوله، في تقارير تذيعها نشرة اخبار التاسعة في التلفزيون، سخرت منها وسألتها:

– نفسي اعرف يا فريدة بتحبي الراجل ده على ايه؟

– فتبتسم وترد ببساطة: تقيل و عاقل ومحدش يقدر يخليه يعمل حاجة هو مش عايزها ابدا.

– اقول لها بانفعال: عاقل! … حرام عليك، دى البلد بسببه راحت في ستين داهية، الناس لا لاقية شغل ولا لاقية تتجوز ولا تتعالج ولا حتى عارفة تسافر. .. و اللي بيطفش بيغرق في البحر، واللي هنا ماشي يقول عشى الغلابا عليك يا كريم.

– ترد عليا بحرقة الغيرة على من تحب: كفاية انه محافظ ع البلد ومش مخلينا زي العراق!

– مرت سنوات على هذا الحوار الذي كان يدور بيني وبين فريدة، كلما رايتها تنظر نحو التليفزيون و تتابع باهتمام ما يقوله او يفعله مبارك في نشرة الاخبار.

وفريدة لمن لا يعرفها كانت شابة مكافحة معها الاعدادية، تعول نفسها واسرتها بعملها في محل كوافير سيدات، وكان املها ان تكمل تعليمها الثانوى من منازلهم و هوايتها بعيدا عن السيشوار والمكواة والباديكير، مشاهدة الافلام العربي و مسلسلات التليفزيون و متابعة اهم الانباء (!)

قبل قيام الثورة بشهور قليلة، تركت فريدة العمل في محل الكوافير الذي اتردد عليه، ولم اعد اراها، لكني تذكرتها بشدة، حين كتب الله علي السفر الى العراق في رحلة عمل، بعد شهور من ثورة 25 يناير، وتنحي مبارك عن الحكم فعليا، وكنا جميعا وقتها عند مفترق طرق، لا نعرف الى اين؟ او مع من سنكمل الطريق؟ ومن هو البديل القادم؟

اما في العراق، فكانت حوادث القتل والخطف لا تزال حديث المدينة في بغداد، و الاف الارامل من ضحايا الإرهاب، وملايين التعساء في الموصل والنجف وكركوك، اما الاكراد في الشمال فليس لهم حلم ولا سيرة غير الانفصال والاستقلال التام والانتقام لمن قتلهم صدام (!)

لم يبق في العراق غير وطن من الدموع، وصور للموت، وذكريات للعذاب، الامان مفقود والاحبة يهاجرون بلا عودة، وفي قلوب النساء جراح يعجز عن علاجها البترول، ولا يشفيها حتى رحيل الامريكان المتأخر.

في كردستان قابلت السيدة هيرو خان زوجة الرئيس جلال طالباني، بيتها الفخم الواسع في الجبل مفروش بسجاد صنع في مصر (النساجون الشرقيون)، ومضاء بنجف صنع في مصر ( كريستال عصفور)، وهي شديدة الحب لمصر منذ عاشت عمر غالي من سنوات شبابها في حي الزمالك بالقاهرة مع زوجها، هربا من قهر الظرف السياسي وانتقام صدام حسين ..

لكن الغريب لابد وان يعود لدياره، عادت هيروخان وزوجها ليكملان الكفاح السياسي والمقاومة في الوطن وبين الاهل، وحتى بعد ان سقط صدام للابد وانتهى، وصار جلال طالباني رئيسا للبلاد، وجلست هيرو خان في الصالون بيت الرئاسة، تستقبل رسميا ضيوف كردستان العراق، وكنت بينهم تلك المرة، تحدثت معي عن مصر بحب لا يخفى على احد واهتمام وصل حد القلق.

وقالت: اخشى لو يحكم الاخوان مصر ثم أكملت ( .. تيارات الاسلام السياسي المتشدد، تنذر بفوضى عارمة في اي بلد، حتى المتطرفين الدينيين بالعراق، يشعلون الحرائق ويمارسون العنف تجاه الناس العزل في اماكن عملهم ونشاطهم بمجرد ان استشعروا تقدم الاخوان في الانتخابات المصرية … ما يحدث في مصر يؤثر فينا جميعا !)

وبعيدا عن السياسة، الطبيعة رائعة شمال العراق والثلج يهطل شتاء ويغطي ارض كردستان، لذا كان الشاي ( الدو غزال ابو ريحة ) مشروبي المفضل، والحلوى و المكسرات، ملجأي وملاذي من البرد كل 5 دقائق ( قل وداعا للرجيم .. العمر مش بعزقة ) ولاننا في هذه الرحلة كنا اغرابا غير مسلحين، تجنبنا الطريق العادي الذي يربط المحافظات من الداخل، و سافرت و المرافقين لي من السليمانية الى اربيل في اقصى الشمال على طريق جبلى درجة حرارته تحت الصفر!

لبست كل ملابسي الصوف فوق بعضها، ومع ذلك كنت اشعر باحساس الفرخة التي اضعها بيدي في فريزر التلاجة لتتجمد بلا مقاومة.

سبحان الله، الانسان مهما كان لا ينجو من افعاله الاجرامية، ولابد من يوم يلقى فيه جزاء ما جنته يداه، وها هي الايام تدور والطبيعة العادلة تفعل بي ما افعله بتلك الفراخ المسكينة!

حاولت معظم الوقت ان اتصنع المرح واغني على الطريق، لكني كنت في قرارة نفسي اعلم انها رحلة (مهببة)، يكفي ان المزات السياحية التي اخذونا لها على مدار ايام الزيارة، كانت السجون والمعتقلات حيث كان التعذيب والسحل لضحايا صدام حسين، و موقعة الانفال حيث دفن فيها الاحياء المدنيين، و قرية حلابشة حيث الموت بالكيماوي ومتحف وصور المخنوقين، ثم زيارة ودية للمقابر الجماعية، ذكرى الاضطهاد، والمأساة، لعنة الله على حزب البعث، قتلة الاكراد المغدورين!!

كانت شورة سودة، جابت لي الكوابيس ليلا، ووجع البطن نهارا ..

على طريق العودة، كانت الاغنية الوحيدة في اعماق قلبي (يا حبيبتي يا مصر يا مصر)، صحيح انكتب لي عمرا، وعدت لبيتي وجلست من جديد امام التليفزيون، لكني كنت اتذكر فريدة كثيرا، خاصة وانا اتابع نشرة الاخبار …!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث