المشروع الصهيوني و نفي الآخر

المشروع الصهيوني و نفي الآخر

إميل أمين

في كتابه الشهير ” الإسلام رمز الأمل … القيم الأخلاقية المشتركة للأديان ” يؤكد اللاهوتي الكاثوليكي السويسري الشهير هانس كونج على انه لا سلام بين الأمم ما لم يوجد سلام بين الأديان.

والحاصل أن القراءة المتعمقة لفكر هانس كونغ تقودنا إلى القول بان الرجل يبحث في عمق الأديان كرسائل للسلام لا كأدوات للخصام، وعنده انه في زمن يملك فيه الإنسان من الوسائل التقنية الحديثة القديمة والوسطى ينبغي على جميع الديانات لاسيما الديانات النبوية الثلاث التي كثيرا ما تكون عدوانية أكثر أن تفعل ما في وسعها لتجنب الحروب ونشر السلام، ولتحقيق ذلك لا غنى عن إعادة القراءة والتفسير الدقيق لكل رواية من الروايات التي تشكل تقاليدها الدينية.

ولتحقيق تفسير ديني يحمل في طياته روح السلام يشير هانس كونغ بإتباع النهج الثنائي التالي:

أولا: ينبغي تفسير الأقوال والأحداث النضالية في كل رواية من الروايات في التقاليد الدينية في السياق التاريخي للزمن الخاص بها دون التغاضي عن شيء ويصدق هذا على الديانات الثلاث وهنا:

*ينبغي فهم حروب يهوه القاسية ومزامير الثأر التي لا تلين في العهد القديم في سياق الاستيلاء على الأرض وما أعقبها من الدفاع عن الذات ضد أعداء أكثر قوة.

*حروب التبشير المسيحية والحروب الصليبية التي ظهرت في الفكر الكنسي في أوائل وأوج العصور الوسطى.

*دعوات القرآن إلى الحرب تعكس الحالة المحددة للنبي في فترة المدينة والطبيعة الخاصة للسور المدنية تحديدا تلك السور التي تدعو للقتال ضد أهل مكة المشركين والتي لا يمكن استخدامها اليوم كمبدأ لتبرير اللجوء إلى القوة.

ثانيا: ينبغي اتخاذ الكلمات والأفعال التي تشجع على السلام في التقاليد التي يتبعها المرء على محمل الجد كالهام للعصر الحديث.

يتساءل كونغ هل سيظل السلام بين أتباع الديانات وهما؟ وهل من الممكن أن يكون أعظم رجل دولة في عصرنا هذا أو الحكيم الأعظم هو الذي باستطاعته أن يقيم السلام بين المسلمين والمسيحيين واليهود؟ وخاصة السلام بين العرب واليهود أو بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟

الجواب أن القتلى يتساقطون في البلقان، وفي الشرق الأوسط تطلق النيران بصورة عشوائية يومية، والجميع يقف مكتوفي الأيدي في انتظار الحرب السادسة الكبرى بين العرب وإسرائيل، وعلى الرغم من ذلك يتساءل الكثيرون إذا كان قد أمكن تحقيق السلام بين الكاثوليك والبروتستانت بعد كل ما دار بينهم من حروب باردة ومواجهات ساخنة فلماذا لا يمكن تحقيق ذلك تدريجيا بين اليهود والمسيحيين والمسلمين؟ وإذا كان السلام قد أمكن تحقيقه بين الفرنسيين والألمان الأعداء الألداء فلماذا تظل إمكانية تحقيق السلام بين العرب والإسرائيليين مستبعدة ؟

هنا تتجلى عدالة رؤية هانس كونغ في الجواب وهو أن السلام الذي تحقق بين الكاثوليك والبروتستانت وكذلك بين الألمان والفرنسيين تحقق عندما تخلى كل طرف عن محاولات “نفي الأخر” بينما المشروع الصهيوني قائم على نفي الوطن الفلسطيني المستقل، وحرمان أهل فلسطين من حقهم الفطري والطبيعي في تقرير المصير فاستحالة السلام هنا قائمة في طبيعة المشروع الصهيوني وليس في الإسلام أو اليهود.

وباختصار غير مخل فان رؤية اللاهوتي المستنير هانس كونغ يمكن تلخيصها في مقولته: أن كل من الأديان النبوية الثلاثة لديها قوة كافية مؤثرة من اجل المستقبل على أساس الثراء الروحاني والأخلاقي ،وان كل من الأديان الثلاثة يمكن أن تسهم بشكل اكبر من خلال التفاهم والتعاون ، وان أديان العالم الثلاثة جميعها سوف تقدم أسهاما لا يمكن الاستغناء عنه لعالم أكثر سلاما وأكثر عدلا.

هذه المنظومة تختزل في القول: لن يكون هناك سلام بين الأمم بدون سلام بين الأديان ولن يكون هناك سلام بين الأديان بدون حوار جدي بين أتباع الأديان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث