غزة امتحان المصالحة الفلسطينية

غزة امتحان المصالحة الفلسطينية
المصدر: تاج الدين عبد الحق

تشكل الاتصالات الجارية لوقف إطلاق النار في غزة، امتحاناً للمصالحة الفلسطينية. فعلى الرغم من أن حماس هي من تمسك عملياً بقرار قبول أو رفض المبادرة المصرية، إلا أن الواضح أن مختلف الأطراف لاتريد اتفاقاً مباشراً مع حماس، ولكل أسبابه.

مصر صاحبة المبادرة، لم يعد بينها وبين حماس “عَمَار ” كما يقولون، وذلك بعد الاتهامات التي كالتها الحكومة المصرية للحركة واتهمتها بدعم عمليات إرهابية في سيناء، والقيام بعمليات تهريب للأسلحة عبر الانفاق، وكذلك بعد إعلانها بأن جماعة الإخوان المسلمين هم حركة إرهابية، وهو ما يعني ضمنا أن حركة حماس المنتمية إيدولوجياً وتنظيمياً للجماعة هي أيضاً حركة إرهابية.

القاهرة لا تريد حواراً مباشراً مع حماس أيضاً حتى لا تجعل مثل هذا الحوار سابقة ضاغطة عليها لإجراء حوار مع جماعة الإخوان المصرية، وهو الأمر الذي لا تبدو الحكومة المصرية أنها مستعدة له بعد كل الذي جرى.

مصر أيضاً ليس لها القدرة على الحصول على ضمانات من حماس، كتلك التي كانت تحصل عليها في الماضي، عندما كانت لها خطوط اتصال مباشرة، مع قيادات الحركة ورموزها. وبالتالي، فإن القاهرة لاتريد التوسط في اتفاق مع جهة لا تملك القدرة على فرض التزام سياسي، أو أدبي عليها.

إسرائيل بالطبع ليست في وارد عقد اتفاق مباشر مع الحركة، وهو ما ينسجم مع مواقفها السابقة التي كانت اتصالاتها مع الحركة تجري بشكل غير مباشر، ومن خلال أطراف لديها قدرة التاثير على الحركة، وقدرة الحصول على التزامات منها.

وكانت مصر طوال العهود السابقة ولأسباب مختلفة قادرة على أن تكون وسيطاً مقبولاً بين إسرائيل وحماس، لكن مع التغيرات الأخيرة في علاقات مصر بالحركة وجدت إسرائيل أن هناك حاجة إلى وسيط آخر، ومظلة أخرى. ولذلك، فإن بعض المراقبين يرون أن من بين أهداف العدوان الإسرائيلي الحالي على غزة البحث عن إطار سياسي جديد للتهدئة.

فاتفاق التهدئة السابق الذي رعته الحكومة المصرية في عام 2012 خلال العهد القصير للرئيس السابق محمد مرسي انتهى سياسياً، بانتهاء حكم الإخوان ووقوع الطلاق السياسي بين الحركة والنظام الجديد في مصر، حيث لم تعد مصر قادرة على ضمان أمنها الذاتي في مواجهة الحركة، كما لم تعد قادرة على تقديم ضمانات أو رعاية اتفاق أمني بين الحركة وإسرائيل.

في ضوء ذلك، فإن الجهة الوحيدة المؤهلة سياسياً لملء الفراغ المصري هي حكومة المصالحة الوطنية والرئيس عباس . وعلى الرغم من أن أبو مازن، لا يستطيع من الناحية النظرية، ولأسباب وطنية وسياسية أن يلعب دور الوسيط بين حماس وإسرائيل، إلا أنه من الناحية الواقعية هو الطرف الوحيد الذي يستطيع أن يحاور حماس على الشروط التي يتعين أن يتضمنها أي اتفاق تهدئة جديد.

والحوار مع حماس هذه المرة سيكون على شكل حوار داخلي فلسطيني، وفي إطار حكومة المصالحة ، وهو حوار صعب ومحفوف بالمخاطر. فحكومة المصالحة نفسها لا تزال في مرحلة الاختبار، ولا تزال عوامل الشك تحيط بها، كما لا تزال فرص بسط سيطرتها على مفاصل الحياة في قطاع غزة محدودة.

على أن صعوبة الحوار، لا يحول دون رؤية آفاق واعدة له، فالسطة الفلسطينة في رام الله حريصة على إنجاح الحوار مع حماس، لأن ذلك يعني الحصول على اعتراف دولي بحكومة المصالحة، كما أنه يسحب الذرائع الاسرايئلية التي جعلت من المصالحة سبباً لتقويض جولة المفاوضات الأخيرة، وحملت الفلسطنين مسؤولية فشلها.

من جانبها، فإن حماس بالرغم من نجاحها في إزعاج إسرائيل وظهورها بمظهر المقاوم القادر على الرد، إلا أن الظروف الداخلية والمعيشية في القطاع والإقليمية في المحيطة بها، تشكل عوامل ضاغطة تجبرها على المرونة في الاستجابة لشروط أي تهدئة جديدة ترعاها ، وتضمنها السلطة الفلسطينية.

ما يواجهه الحوار الفلسطيني الفلسطيني، في إطار التمهيد لتهدئة جديدة في غزة، هو التوافق على رؤية سياسية، تجمع بين أولئك الذين لا يرون حلاً إلا من خلال التفاوض، وأولئك الذين يحصرونها بالمقاومة المسلحة.

ولن يكون من المجدي الضغط على السلطة لتضغط بدورها على حماس للتخلي عن السلاح، فهي ليست قادرة على ممارسة هذا الضغط، إلا إذا قدمت لها ضمانات، وأقنعتها بأن خيار التسوية السياسية هو خيار حقيقي، وأن التخلي عن المقاومة المسلحة لايعني التخلي عن حلم الوصول إلى تسوية عادلة تعيد للشعب الفلسطيني كافة حقوقه المشروعة.

بين مفاوضات يعتبرها طرف فلسطيني عبثية وصواريخ يعتبرها طرف فلسطيني آخر عبثية أيضاً، تدخل حكومة المصالحة الفلسطينية امتحاناً ، لا على مستوى الجدل السياسي والإيدولوجي فقط، بل لأن الحل الوسط بين الخيارين هو المخرج الممكن لمعاناة غزة من العدوان العسكري حيناً، ومن الحصاراليومي دائماً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث