كأس الفراغ المرّة

كأس الفراغ المرّة

مارلين خليفة

يحنّ اللبنانيون اليوم إلى الحقبة التاريخية التي كان يتمّ فيها التسلّم والتسليم فور انتهاء ولاية رئيس الجمهورية وقد تمّ ذلك في عهود ليست بقليلة زمن الرؤاساء كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية والياس سركيس، في حين تغيب هذه العادة الديموقراطية اليوم وذلك في تكرار هو الثالث لظاهرة الفراغ الرئاسي في لبنان: حصلت المرّة الأولى إبان عهد الرئيس أمين الجميل ثمّ في عهدي الرئيسين إميل لحود وميشال سليمان.

وغالبا ما وضع تعذّر انتخاب رئيس للجمهورية لبنان أمام منعطفات خطرة يعود الحديث فيها كلّ مرة عن نهائية الكيان ودور المجموعات التي يتألف منها لبنان.

اختار الرئيس أمين الجميل عام 1988 سيناريو تسليم لبنان إلى حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش آنذاك ميشال عون متشبّها بما قام به الرئيس بشارة الخوري عندما استقال عام 1952 مسلّما البلاد إلى الجنرال فؤاد شهاب. لكن شتّان بين أداء “الجنرالين”. فحكومة عون التي سرعان ما استقال منها الوزراء المسلمون بسبب معارضة دمشق التي كانت تؤيد حكومة الرئيس سليم الحص والتي كان يجدر بها التمهيد لانتخاب رئيس، أدخلت لبنان في حربين شرستين، انحرفت الحكومة العسكرية عن مهمتها الرئيسية، في ما انتهى الجميل منفيّا في باريس بعدما قرر قائد القوات اللبنانية آنذاك سمير جعجع الإستيلاء على مؤسسات حزب الكتائب في المتن.

تكرر مشهد الفراغ عند انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود عام 2007، فلم يستطع مجلس النواب المستقطب بين فريقي 8 و14 آذار انتخاب رئيس جديد فكلّف لحود الجيش اللبناني مهمّة حفظ الأمن وأقفلت أبواب الجناح الرئاسي في قصر بعبدا مجددا لأشهر إلى أن عقد اجتماع الدوحة عام 2008 الذي أعقب حوادث 7 أيار (مايو) التي واجهت طائفتين كبريين في الشارع للمرة الأولى في تاريخ لبنان. وبعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25 أيار (مايو) الفائت يتكرّر سيناريو الفراغ هذه المرّة من دون أفق واضح.

ولعلّ الأخطر اليوم هو أنّ الوضع الإقليمي معقّد إلى درجة يصعب فيها التكهّن بمآل الأمور، وبما أنّ الأفرقاء اللبنانيين من دون استثناء مرتبطين بقرارهم بلاعبين إقليميين ودوليين لهم حساباتهم الخاصّة ومواقيتهم التي تتفق مع أجندة مصالحهم ومفاوضاتهم، فإن لبنان يصبح دولة تقف على شفير الإنهيار الشامل وسط الزوبعتين السورية والعراقية. ولم يعد الجدال اليوم قائما حول شخص الرئيس، ولم نعد نسمع أصواتا لبنانية كثيرة تطالب بالإنتخابات الرئاسية باستثناء صوت بطريرك الموارنة بشارة الراعي وبعض السفراء الأجانب والعرب.

بات السؤال اليوم: هل سيحافظ لبنان على وحدة أراضيه؟ وهل ستستمر صيغة العيش المشترك بين ابنائه؟ وهل سيبقى دستور الطائف هو من يحكم عمل المؤسسات وتوزيع الصلاحيات بين الطوائف؟ وماذا سيكون مصير هذه المؤسسات ونحن نقف على عتبة التأجيل الثاني لولاية المجلس النيابي المنتخب عام 2009؟

وماذا إذا اهتزّ الأمن في البلد مع الضعف المحتمل في أداء الحكومة وسط جدال حول أحقية ممارستها لصلاحيات رئاسة الجمهورية؟

أسئلة ممضّة يطرحها اللبنانيون الذين يتجرعون كأس الفراغ الرئاسي المرّة يوميا من دون أن يمسكون زمام المبادرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث