لماذا (عندما يتكلم التاريخ )؟!..

لماذا (عندما يتكلم التاريخ )؟!..

نجم عبد الكريم

ما أن يجتاز القارئ الصفحات الأولى لحكايات (ألف ليلة وليلة)، حتى يجد نفسه قد انسجم بتفاعل شديد مع عوالمها المشبعة بأقاصيص صاغها الخيال الشعبي عبر سلسلة الحضارات المتعددة، وعلى امتداد قرون موغلة في القدم، ثم توارثتها الأجيال تلو الأجيال لتغدو – ألف ليلة – أيقونة الآداب القائمة على ذلك المخيال الخرافي الساحر.

وبغض النظر عن الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى شيوع هذا اللون من الحكايات والأقاصيص المرتكزة على خصوبة المخيال الشعبي التي لا تحده حدود، سواءاً في (ألف ليلة) أو سواها، فإن تاريخ البشرية يحفل هو الآخر بوقائع حقيقية وأحداث فيها ما يفوق الخيال الذي يستهوي القارئ.

من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب .. فمنذ أكثر من عقدين عقدت العزم على جمع ( ألف حكاية وحكاية ) على غرار ( ألف ليلة وليلة )، ولكنها حكايات تستند الى حقائق وقعت على طول امتداد مساحات التاريخ البشري.

وشرعت بالفعل ” بقراءات مكثفة ” بحثاً عن الوقائع التي سطّرها لنا التاريخ القديم والمعاصر، شرط أن تحتوي على أحداث تقتضي التوقف عندها، إما لندرتها أو لمضمونها القمين بأن يُسطّر على صفحات التاريخ ، فعثرت على ركام مهول يحتاج جمعه وتنقيحه وتقديمه للقارئ المعاصر بالأسلوب الملائم الى مئات المجلدات .. فوقع اختياري على بضعة آلاف من تلك الوقائع والأحداث والقصص.

ومنذ أكثر من عشرين سنة أنجزت ما يقرب من خمسمئة قصة وحكاية وحدث، نشرت البعض منها في الصحف، وقدمت البعض الآخر في برنامج ( قراءات ) الذي كان يُبث على فضائية ( mbc ) في أواسط تسعينيات القرن الماضي، وها أنذا أدفع بهذه الخمسين من ( خلاصة قراءات ) في هذا الكتاب كدفعة أولى.

فإذا ما تحقق الهدف الذي حفزني لانجازها ، فسوف أواصل السعي الى نشرها تباعاً.

* * *

• أود الاشارة الى جملة ملاحظات حول الاسلوب الذي اتبعته في هذا الكتاب:

أولاً : لقد اعتمدت الاختصار المكثف الى أبعد حدود التكثيف ، فاستخراج الواقعة، أو الحدث، أو القصة، من مصدرها الأصلي، وتقديمها مختصرة بصفحات قليلة ليس بالأمر اليسير، وقد تم ذلك دون الاخلال بالمضمون المراد إيصاله للقارئ.

ثانياً : تم الحرص على صياغة الأحداث بأسلوب الحوار الذي يكاد أن يقترب من ( السيناريو )، وهو الأكثر تبسيطاً من التقعر الوصفي الانشائي الذي كُتبت به معظم الأصول لهذه القصص، مع الحرص على اللغة العربية الفصحى، حتى وإن كانت بعض الوقائع والأحداث قد وقعت في أجواء شعبية.

ثالثاً: إن إعادة الصياغة بالأسلوب المعاصر تقتضي الالتزام بهذا الأمر إطاراً ومضموناً، لهذا فإنني أستميح القارئ عذراً إذا ما وجد أنني – أثناء صياغتي لهذا السيناريو أو ذاك – قد أضفت بعض الشخوص التي لا وجود لها في النص الأصلي، وحذفت بعض الشخصيات التي ذكرها تاريخ الوقائع أو الأحداث التي سوف تقرؤونها !!..

فالتفكيك والتركيب من أجل اتمام البناء أمر مشروع في عالم الدراما.

وما أفترضه: أن ما بين أيديكم من قصص في هذا الكتاب هي أقرب ما تكون الى العمل الدرامي القائم على وقائع وأحداث واقعية .

وأتوقع أن ثمة من يترصدون ما دونه التاريخ حول حقيقة هذا الحدث أو ذاك مما جاء في هذا الكتاب . تمعنت في هذا الشأن، فتيقنت أن معظم أحداث التاريخ قد كُتبت بوجوه متعددة، بحيث يصعب أن نجد في تحليلنا أن هناك من توصل بتحليله الى الحقيقة المطلقة في هذه الواقعة أو تلك!..

فإذا كانت هذه الحادثة أو تلك الواقعة لم تتطابق مع بعض ما يتقفاه هؤلاء المترصدون، فليس ما ورد من قصص وأحداث ووقائع هذا الكتاب مما يشتثير حفيظتهم، لأنني التزمت باختيار قصص لا تتصادم مع العقائد والايديولوجيات الدينية أو السياسية التي تضمنها التاريخ، والتي كثيراً ما تثير الخلافات بين من يعيرون هذه الأمور جل اهتمامهم..

قد يختلف البعض معي أن ستالين لم يكن وراء اغتيال تروتسكي، أو أن مارلين مونرو ماتت منتحرة ولم تُقتل بقرار سياسي، أو أن عشق كليوبترا ليوليوس قيصر لم يكن حقيقاً، أو أن لوحة الموناليزا قد رسمها دافنشي أم لم يرسمها، أو أن أم هارون الرشيد أرادت أن تفرض هيمنتها على ابنها الخليفة أم لا .. الخ . فأتمنى ألا يفسد قضية الاختلاف في أمور كهذه، بالنظر الى الجهد المبذول في هذا الكتاب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث