التهدئة مقابل الصواريخ

التهدئة مقابل الصواريخ
المصدر: تاج الدين عبدالحق

يبدو أن معادلة التهدئة مقابل التهدئة، لم تعد ممكنة أو مقبولة، كمخرج للعدوان الإسرائيلي الجديد على غزة. فالتهدئة السابقة فشلت في إيجاد واقع سياسي مختلف، تكون معه تلك التهدئة أساسا لحلول، أو صماما للأمان .

التهدئة التي كانت قائمة بين إسرائيل وحماس حتى بدء عملية الجرف الصامد، لم تكن أكثر من وسيلة للخروج من ضغط اللحظة السياسية، وظروف التوازن الإقليمي والدولي، والذي كانت له معطيات تختلف عن معطيات وظروف الحالة السياسية الراهنة .

صيغ التهدئة السابقة، التي فشلت مرة بعد مرة، استبعدت أسباب الانفجار، ولاحقت فقط، تداعياته وآثاره. فأبقت على الحصار الإسرائيلي للقطاع، وتجاهلت أن هذا الحصار كان قنبلة موقوته تنفجر في كل لحظة، يتغير فيها المزاج الإقليمي، أو تتزايد فيها إجراءات الاحتلال السياسية والعسكرية أوضغوطه المعيشية .

التهدئة بصيغها السابقة، تجاهلت أيضا، أن التهدئة مهما كان مداها وأياً كانت الأطراف التي ساهمت في صياغتها وضمان تطبيقها، ليست أكثر من مسكن، ولا يمكن أن تكون حلا لمشكلة إحتلال مستعصية، أو بديلا عن تسوية عادلة وشاملة تلبي مطالب الفلسطينين وتعيد لهم حقوقهم. ولذلك فإن إسرائيل جعلت من أي مطالبة بتلك الحقوق، أو أي شكل من أشكال المقاومة لنيلها، إختراقا للتهدئة يقابل بالرصاص المسكوب أو بأعمدة السحاب أو بالجرف الصامد .

وإسرائيل التي اخترعت تعبير التهدئة مقابل التهدئة ، كما اخترعت من قبل الأمن مقابل السلام، لا تريد دفع ثمن سياسي للتهدئة. فهي لا تعتبر إبقاء الحصار أو تشديده خرقا للتهدئة. و لاتعتبر كذلك ما تمارسه في الضفة الغربية والقدس، ماسا بالتهدئة، في تجاهل واضح للحس الوطني الفلسطيني، الذي يتحرك بإيقاع الشارع الفلسطيني، الموحد حول ثوابت لا تملك إسرائيل مهما بلغت قوتها، ومهما بالغت في إجراءتها القمعية وهجماتها أن تتجاوزها، أو تغيرها .

إسرائيل تريد أن يدفع الفلسطينيون الثمن السياسي للتهدئة، بدون مقابل. تريد تجريدهم من الأرض وتكثيف الاستيطان، دون أن يكون للفلسطينيين الحق في الاعتراض أو الاحتجاج، فهي لا تعتبر الاستيطان ومصادرة الأراضي، بكل ما فيه من مساس بالحقوق السياسية والوطنية للفلسطينين، خرقا للتهدئة، وتجعل أي احتجاج على مثل هذا الخرق سببا لاعتقال مئات الفلسطينين، ومبررا لاستباحة كل الأراضي التي يفترض أنها تخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية وفق اتفاقيات ومعاهدات أبرمتها تل ابيب نفسها .

حكومة نتنياهو التي تعتبر المصالحة الوطنية الفلسطينة جريمة وخرق للتهدئة، تطالب بثمن تلك المصالحة، حتى لو كان ذلك من دم الفلسطينيين، و لحم أطفالهم ونسائهم ومن مقدرات حياتهم وقوتهم .

لم تخف إسرائيل إنزعاجها من إعلان حكومة الوحدة الوطنية الفسطينية، رغم أن الخلاف الفلسطيني الفلسطيني كان الذريعة التي تذرعت بها للمماطلة والتسويف طوال سنوات من التفاوض العبثي

.

لم تعد إسرائيل تقبل التهدئة كثمن لوقف عدوانها، تريد من الجانب الفلسطيني ما هو أكثر من التهدئة. والسيناريو المطروح يعيد للأذهان ما جرى في سوريا ومن قبل في العراق. فهي تريد أجراءات دولية، تجرد القطاع مما يملكه من مقومات دفاعية ويخضعه لحملة تفتيش واسعه مثل تلك التي قامت بها الأمم المتحدة في العراق بحثا عن أسلحة دمار شامل، وفيما بعد في سوريا بحثاً عن أسلحة كيماوية، قبل أن تستتبع ذلك بإجراءات تمنع وصول أي أسلحة مهما كانت للقطاع وتفرض شكلاً دولياً من أشكال الرقابة على المعابر لمنع وصول أي مواد أو معدات لها طبيعة عسكرية، في إطار تعبير فضفاض قد يجعل الحصار الحالي الذي تفرضه إسرائيل على القطاع جنة بالقياس لما تحمله السيناريوهات المقبلة .

المؤسف أن ما تسعى له إسرائيل كثمن لوقف عدوانها، قد يكون متاحا في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة. فحركة حماس التي اختارت المكان الخطأ في موجة الربيع العربي، تبدو مكشوفة الظهر عربيا وإسلامياً، بعد أن فقدت حلفاءها في سوريا وإيران، قبل أن تجد نفسها مكشوفة الظهر مرة أخرى بعد أن فقدت حكم الإخوان الذي راهنت عليه كحليف بديل لحلفائها القدامى .

وحتى الشارع العربي الذي كان من بين قوى التأثير في المرات السابقة يبدو منشغلا وممزقا، وفاقدا لقدرة التحرك، مما يترك المجال أمام القوى الرسمية الإقليمية والدولية لقيادة مبادرة التهدئة القادمة وتحديد بنودها، وشروطها، وآلية فرضها .

غزة بأوجاعها المزمنة وقدراتها المحدودة، لا تملك فرصة المناورة لوقت طويل، وقد تجد نفسها وحيدة أمام ضغط عسكري إسرائيلي يتصاعد يوما بعد يوم، وضغط سياسي دولي يجبرها على دفع ثمن لم تدفعه في مرات سابقة .

ولن تكون إسرائيل والأطراف الدولية التي تضغط باتجاه هذا السيناريو مضطرة للإعتراف بحماس والتفاهم معها مباشرة، فحكومة الوحدة الوطنية ستكون الطرف الذي سيفاوض نيابة عنها، والواجهة التي تلتزم حماس من خلالها بخطوات تعيد للأذهان، رحلات لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق قبل أن تفتح لمَنْ ركَّبَ تلك اللجان ومن شكَّلها، أبواب بغداد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث