حروب رمضان

حروب رمضان

أحمد مصطفى

منذ حرب أكتوبر/ رمضان عام 1973 التي انتصر فيها العرب على إسرائيل، لم يمر على العرب رمضان كهذا.

كانت حرب أكتوبر حربا بين جيوش، يدعمها العرب كلهم من ناحية وتدعم أمريكا والغرب إسرائيل من ناحية أخرى.

تمتلئ المنطقة الآن بحروب متناثرة لا تكاد تخلو منها إلا عدة دول قليلة، لكنها حروب مختلفة وإن ظلت الأطراف الرئيسية كما هي وراء اذكائها وتسليحهاـ وجني نتائجها، إن كانت لها نتائج.

حرب في سوريا، حرب في العراق، حرب في اليمن، شبه حرب في ليبيا، تفجيرات وهجمات في مصر وتونس ولبنان، حروب في السودان، وحرب في فلسطين. يصوم المسلمون إلا عن الحرب والقتال.

من يسمون “مجاهدين” يتطلعون لنيل “الشهادة” وهم صائمون، في مزايدة على السماء في الأجر والحسنات.

وهم مطمئنون إلى أنهم يحسنون صنعا في دنياهم قبل آخرتهم وهم يقتلون مسلمين آخرين، ربما كانوا صائمين أيضا. لكن من غيّب الفكر الظلامي عقله على قناعة بأنه “يحتكر الشهادة”.

كانت حرب 1973 واضحة الهدف، لكن حروب اليوم وبذورها ليست سوى بثرات التهابات تنتشر في الجسد العربي، ليصبح بعضها “غرغرينا” قد لا تعالج إلا بالبتر وبعضها كالدمامل التي وإن اندملت فستترك أثرا لا شك.

ليس كل ما أصاب بلاد العرب سببه فقط ذاك الميكروب ـ كما كنا نصفه في الستينيات ـ الاستعماري الذي زرع في فلسطين، ولا حتى الأوبئة التي لم تشف دول المنطقة منها بعد الاستقلال. هناك مسببات عديدة في “أسلوب حياة” دول المنطقة أدت إلى هذا الانفجار المرضي الفتاك الذي تشهده.

وربما فات الأوان للحديث عن أي تغيير في ذلك الاسلوب يمكن أن يقي شر ما هو متوقع نتيجة هذه الحروب والتوترات المكتومة، فالوقاية تسبق الإصابة. أما الآن، وقد ظهرت الأمراض دامية فلا حل سوى بالعلاج الحاسم ثم نفكر في الوقاية.

رمضان شهر “اسلوب حياة” تشكل وقاية طبيعية لجسم الإنسان، وربما تجربة كانت لتساعد في وقاية المجتمعات والدول .. وليس زيادة تعطش أبنائها للقتل والتفجير والتخريب.

لكن يبدو أن جزءا من أسلوب الحياة الخاطئ هذا الذي قاد بنا إلى حالتنا هو تعاملنا مع شهر الصوم والسكينة والسلام والتآلف بعكس ما هو الغرض منه. فقد صار شهر ارهاق الجسد، بدلا من وقايته، وشهر كسل عن العمل ـ وربما التفكير ـ وشهر هموم الإنفاق غير المبرر وضغط الحاجة لما هو غير ضروري حتى في بقية شهور العام.

يعلم الله أي عيد سيأتي علينا بنهاية رمضان هذا العام، وكم من البؤر في جسد المنطقة ستنفجر قبل ذلك وكم منها ستأكله نيران فتنة وإرهاب وعنف.

كل عام وانتم بخير!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث