طبق سلطة كبير

طبق سلطة كبير

جيهان الغرباوي

عندما تكون رحلة السفر، مقدارها، نص الكرة الأرضية بالتمام، وتستغرق 30ساعة، متواصلة بالطيران، وتجعلك ترى الشمس بلا غروب وكأن النهار عرض ممتد 3 أيام، لا تسأل حينها عن موعد صلاة العشاء أو الفجر حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة، وحيث ان مضيفات الطائرة معظمهن روسيات وبعضهن من شرق آسيا وجميعهن لا يتحدثن اللغة العربية، وحتى الإنجليزية لا يفضلن الإفراط في تداولها معنا، وضعت أنا الأخرى لساني في فمي، واكتفيت بإسباغ الوضوء، وإخلاص النية، وتوكلت على الله، وجلست أصلي في مقعدي بهدوء من دون أن أسأل أحداً طبعاً عن اتجاه القبلة.

رحلة سفري الطويلة كانت إلى هاواي، عاصمة جزر الهونولولو الأمريكية، التي تقع في مواجهة مصر تماماً، على الجانب الآخر من الأرض، بحيث إذا أشرقت الشمس عندهم اختفت من عندنا، وإذا رأينا الغروب فمعناه أن الشمس في نفس اللحظة تشرق فوق سواحل هاواي على المحيط الهادي، وتداعب بأشعتها أشجار جوز الهند الطويلة المائلة وحقول الأناناس وحدائق الورد الأحمر والأصفر والبنفسجي، الأكثر انتشاراً هناك، والتي يعدون منه عقودأً رائعة يستقبلون بها السياح في المطار ، تهنئة لهم بسلامة الوصول، واستبشارا بإقامة ممتعة وإجازة سعيدة على شواطئ “الباسيفيك” الهادى .

لكن الذي أريد التحدث عنه من صباحية ربنا هي “إيملدا” التي لم تكن معي في رحلة الذهاب، لكنى قابلتها في رحلة العودة من أمريكا إلى أمستردام ثم إلى القاهرة، كانت تجلس إلى جواري بالطائرة ولاحظتني وأنا أصلي في هدوء بمقعدي، فما إن انتهيت حتى وجدتها تبتسم في حنان عريض وتطبطب على كتفي في ود حميم، وتقول لي بكلمات إنجليزية مكسورة: أحسنتي صنعاً أنا معجبة بك لأنك تصلي، ثم أشارت للسماء وقالت: أنتي تحبين الله.. وأضافت بنفس ابتسامتها الطيبة أنا أيضاً أحب الله.. الحياة قاسية جداً يا ابنتي، ولابد لنا جميعاً أن نتجه للسماء ونطلب العون والحب من الله، حتى نستطيع أن نحتمل الألم.. أمريكا أفسدت كل شيء والعالم صار قاسياً في كل مكان.

بعدها توثقت العلاقة بيني وبين “إيملدا” التي عرفت أنها أم بلغارية تعمل في أمريكا وأثناء إجازتها القصيرة تعود لزوجها المريض وابنتها التي تعمل ممرضة في وطنها الفقير.

على نفس الطائرة، كانت تجلس د. إيمان الرفاعي المصرية المهاجرة من قبل 20 عاماً إلى أمريكا، وتحاول أن تعود مع زوجها وأولادها الآن إلى دفء الوطن، لكن أولادها يرفضون بشدة ويعانون من الزحمة والفوضى والرشوة، التي جعلت مصر على حد تعبيرهم “طبق سلطة كبير”، وفي رحلة العودة أيضاً مواطنة عراقية رفضت أن تبقى في أمريكا لأنها تدفع سنوياً من دخلها 50ألف دولار ضرائب، وتعلم أن هذه الأموال تخصص لدعم الحرب فى العراق!

أما السيدة أحلام فكانت الأكثر أناقة ورقة، وهي سيدة لبنانية محجبة، تصر أن في لبنان جميلات متدينات وملتزمات وليس كلهن نانسي وهيفا وإليسا، كانت تزور ابنتها المقيمة مع زوجها في أمريكا، وقالت: “إن في أمريكا أماكن جميلة وجوانب جيدة للحياة، لكنها بالطبع تفضل الحياة في لبنان” ثم انسحبت لتصلي في مقعدها، بعد أن أدركت مثلنا “بالويم” والشبه كده إنه قد حان الآن موعد صلاة العصر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث