قمع مع سبق الإصرار

قمع مع سبق الإصرار
المصدر: حافظ البرغوثي

في اليوم التالي لإختفاء المستوطنين الثلاثة تلقيت مكالمة من صحفية إسرائيلية تسأل عن الوضع.. وهل ثمة أنباء متداولة في الجانب الفلسطيني عن الأمر؟ فأجبت بالنفي, لكنها استطردت “هناك معلومات غير مؤكدة من أن المستوطنين قتلوا بعد اختطافهم بقليل”.

بالطبع كانت هناك رقابة عسكرية إسرائيلية صارمة تمنع نشر أية أنباء حول الموضوع إسرائيليا, ولم تكن هناك معلومات في الشارع الفلسطيني حول الأمر, هناك من قال إن العملية على غرار عمليات حزب الله. خطف وإخفاء وصمت مطبق لشهور ثم الإعلان عن ذلك بعد فترة طويلة. وهناك من قال إن العملية مفبركة إسرائيليا.. وربما قام بها العالم السفلي الفلسطيني أو الإسرائيلي لحساب طرف إسرائيلي ما, وهناك من قال إنه يبارك العملية لكنه لا يتبناها.. مثل حماس وغيرها.. وفي الوقت نفسه طالبت هذه الجهات السلطة بتبني العملية أو مباركتها وهاجمت التنسيق الأمني.. مع أن التنسيق الأمني صامد في غزة رغم الصواريخ والغارات.

منذ البدء جاهرت بانتقاد هذه العملية رغم أن وجود أي مستوطن غير شرعي ولا تنطبق عليه قوانين الحروب لأنه يحتل أرضا ليست له, فلا ضرورة لأن تأتي بممارسات لتقليد الاحتلال فإن قتل طفلا فلا يجب أن نقتل طفلا وإن أعدم فتى يافعا فلا يجب أن نقلده.. فالاحتلال يريدنا أن نقلده حتى نتساوى معه في الوحشية ونهجر إنسانيتنا الجريحة. وها هم المستوطنون يقومون في شعفاط بعملية وحشية من خطف وقتل وحرق لفتى صغير ونقله إلى غابة في ديرياسين موقع أول مجزرة صهيونية ضد الشعب الفلسطيني عام 1948. وهذا يؤكد أن المستوطنين لديهم تنظيمات إرهابية مجهزة تنتظر ساعة الصفر.

إن الآلة الإعلامية الإسرائيلية كفيلة بتحويل طفلنا القتيل إلى مقاتل شاب وإرهابي.. وفتانا الشهيد الذي ذهب لشراء حمص للسحور إلى حامل قنبلة عنقودية.. وتصوير المستوطن الذي تدرب على السلاح إلى رضيع والجندي إلى داعية سلام. فكيف يمكننا وسط هذا المعمعان الجاري في المنطقة أن نوصل رسالتنا إلى عالم يرى داعشنا تجز الرقاب ونصرتنا تستبيح النساء.. ومجاهدي الناتو يعيثون فسادا في الأرض والقاعدة تقيم الحد على الأطفال.. والأنظمة تبيد القبائل والحمائل؟ إسرائيل كانت على علم بمقتل المستوطنين بعد ساعات لكنها استثمرت ذلك إعلاميا وأخفت النبأ لتشن حملة قمع كان المعتلقون فيها من حماس والشهداء من فتح.

الآن نرى تحالفات جديدة في المنطقة أسقطتنا من حساباتها.. إسرائيل تتحالف عربيا وأمريكياً ضد داعش وإيران، والأنظمة تطلب النجاة.. وشعارها “أنج سعد فقد هلك سعيد” فما بالنا وقد اقتربنا من المصالحة لتقوية الجبهة الداخلية استخدمها بعضنا لتعميق الانقسام وهو لا يعي أن الزلزلة ستصيبنا جميعا لا فرق بين فلسطيني وفلسطيني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث