بين الخلافة والتخلف

بين الخلافة والتخلف

تاج الدين عبد الحق

من باب إبراء الذمة، أو توزيعا للأدوار، يرفض منظر الزمان، وفقيه العصر والأوان (عاصم بن محمد بن طاهر البرقاوي ” ابو محمد المقدسي” )، ما صدر عن “خليفة المسلمين وأمير المؤمنين أبو بكر البغدادي” بإعلان الخلافة الإسلامية، وتسمية نفسه أميراً للمؤمنين بعد أن بايعه كما قال ” أهل الحل والعقد والأمراء”.

تصريحات البرقاوي أو المقدسي، التي يتبرأ فيها من أفعال “أمير المؤمنين البغدادي” ومن تنظيمه، تظهر ضيق المسافة بين المجموعات والتنظيمات الإسلامية وبين منظري وقيادات هذه التنظيمات مهما اختلفت مسمياتها واجنداتها. فهذه التصريحات رغم ما فيها من انتقادات للممارسات والأفعال، تبدو موجهة للأنصار والمريدين أكثر مما هي موجهة للخصوم.

ففي سياق البيان الذي أصدره على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه 5 سنوات يؤكد المقدسي، بأنه لم يكن بعيدا عن الفصائل المسلحة، وأن هذه الفصائل كانت تلجأ إليه طلبا للنصيحة أو الفتيا “للحصول على ما يتمناه كل فصيل من نصرة للفصيل الذي يواليه”.

كما يؤكد في البيان أنه كان وسيطا ” و استمع إلى كلا الطرفين واصفا بعض من تواصل بهم ” بالعقلاء والأفاضل ” و”إنهم يريدون الحق ونصرته ” وهم من “يعول عليهم في الاصلاح وسداد الثغر”.

الأكثر من ذلك، أن المقدسي يشير ضمنا، إلى أنه كان على صلة بداعش، حين يؤكد أنه ” تعرض لضغوطات معنوية كي يتراجع عن البيان الذي أصدره بعد ثمرة التواصل الطويل مع الأطراف المعنية للصلح، أو التحكيم الذي رفضته جماعة الدولة – بالمناسبة تعبير الدولة هو التعبير البديل الذي تستخدمه داعش الآن بعد إعلان خلافتها الإسلامية-.

بل إن المقدسي أو البرقاوي – إختر ما شئت – ، يشير إلى أنه كان ميالا لداعش عندما يقول إن قوما زعموا أنه تراجع عن البيان الذي أصدره بعد التواصل الطويل مع الأطراف وقالوا بأن ذلك البيان لاغ أو سيلغى، نافيا أن يكون قد أصدر مثل ذلك الوعد لأحد، وأن التنظيمات المنافسة لداعش حاولت التأثير عليه للتراجع عن ذلك البيان وأن عملية تفجيرية أهديت له بأسم “ملة إبراهيم” من تنظيمات معادية لتنظيم الدولة لتحصيل تنازلات منه أو للضغط عليه أو استمالته.

وآخر الشواهد على أن بيان المقدسي لم يكن أكثر من خلافات داخل الصف الواحد، فرحه بانتصارات تنظيم داعش في العراق قائلا: إن خوفه هو، من مآلات تلك الانتصارات والكيفية التي”سُيعامل بها أهل السنة والجماعات الدعوية الأخرى” وهو ما يعني ضمنا موافقته على ما ارتكبه تنظيم داعش من عمليات يندى لها جبين كل مسلم أو إنسان عاقل بحق من اعتبرهم “مرتدين وروافض”.

خلاصة ما يمكن استنتاجه من بين ما قاله منظر الجماعة السلفية، أن الرجل ربما كان طامعا بالخلافة التي أعلنتها داعش، وأن إعلان البغدادي نفسه خليفة للمسلمين ربما كان نوعا من التجاوز والتهميش لرجل له باع طويل في التنظير للحركات المسلحة والتحشييد لها.

وبالتالي فإن الانتقادات التي ساقها لداعش وزعيمها، تعبير عن مواقف أو مطامع شخصية، خاصة وأن الأنباء تتواتر عن أموال غنمها التنظيم خلال اجتياحه لبعض المناطق في العراق، ومن قبل في سوريا.

البيان يؤكد أيضا، أن الخلافات بين الجماعات الإسلامية المختلفة هي خلافات لا يعتد بها، حين البحث عن خطاب إسلامي تنويري.

والاعتدال الذي تظهره بعض التنظيمات الإسلامية هو اعتدال نسبي، فتنظيم القاعدة بكل إرثه الطويل من القتل والتدمير، يعد معتدلا بالمقارنة مع تنظيم داعش الذي ارتكب جرائم غير مسبوقة في بشاعتها وفظاعتها. وهذه النسبية يمكن تعميمها، عند المقارنة بين كافة التنظيمات المسلحة التي تتخذ من الدين ستارا أو مظلة تحتمي بها.

عندما نقارن بين التنظيمات الإسلامية أيا كانت اسماؤها وعناوينها وخطاباتها، علينا أن نتذكر أن هذه التنظيمات، نبتت من رحم تنظيم واحد، كان همه إقامة ما اعتبره دولة إسلامية ، ضمن مقاييس لا تأخذ بعين الاعتبار تبدلات الزمان ولا ظروف المكان. شكل من اشكال التقوقع في قوالب متخلفة، تعيد اجترار تفسير ديني خاطيء أوخدمة لأغراض سياسية.

وكانت جذوة نشاط هذا التنظيم تزداد وهجا حينا وتخبو حينا آخر، لكنه كان على الدوام مستعداً للتلون بألوان الاعتدال، بحيث يرتد حين تحين الفرصة، إلى فلسفته الأساسية القائمة على العنف، وضمن معادلة تتوزع فيها الأدوار، ويكون له فيها مكان دائم، حتى لو غاب عن صدارة المشهد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث