ذاكرة الصحافة…الصحفي الحنبلي

ذاكرة الصحافة...الصحفي الحنبلي

ذاكرة الصحافة…الصحفي الحنبلي

تاج الدين عبد الحق

محمد حامد ( محفوظ )، اسم يعرفه كل من عاصر بدايات الصحافة الاماراتية الحديثة، ولاتذكر البدايات إن لم يذكر محفوظ، فهو مؤسس لثلاث صحف يومية لا تزال تصدر في الامارات حتى الآن.

عرفت محمد حامد قبل أن أصل إلى ابوظبي بتاريخ 27/ 12/ 1973. بأربعة أشهر تقريبا ، فقد كنت من بين الذين يكتبون عن بعد في الصحيفة التي كان قد بدأ بتأسيسها في ابوظبي وهي صحيفة الوحدة اليومية، والتي كانت أول صحيفة خاصة بدولة الامارات بعد قيام الاتحاد، وقد أسسها ورئس تحريرها رجل الأعمال والبرلماني الاماراتي المعروف راشد بن عويضة، الذي لم يكن له عندما اسس الصحيفة خبرة سابقة، ولا أظن أنه كان معنيا بمثل هذه الخبرة بعد ذلك. كانت له فيما أظن ومن خلال معرفتي الشخصية به، طموحات سياسية حقق جانبا منها عندما أصبح بعد سنوات قليلة، نائبا لرئيس المجلس الوطني الاتحادي بدولة الامارات، وهو منصب رفيع من الناحية المعنوية، فتح له أبواب شبكة واسعة من العلاقات داخل دولة الامارات وخارجها .

أما محمد حامد الذي يطلق عليه الصحفيون الذين عملوا معه إسم محفوظ، فقد جاء للامارات من الكويت التي كانت محطته الاولى في الخليج بعد خروجه من مصر. وكان له حضور طاغ عند الصحفيين نظرا لتعدد مواهبه. فهو إلى جانب كونه صحفيا من الطراز الأول، قاص، ومخرج ورسام كاريكاتير لا يقل عن رسامي الكاريكاتير المعروفين في ذلك الزمان، لكن عدم تفرغه للرسم وإنشغاله بالادارة والكتابة، أبعده عن الصف الأول الذي كان جديرا به ولا شك. و ككاتب قصة اتسمت لغته بالحرارة التي تذكر بلغة نجيب محفوظ للدرجة التي جعلت زملاءه ومحبيه يطلقون عليه اسم محفوظ. كان رغم مواهبه تلك متواضعا بشكل يثير الاعجاب. وقد رايته لأول مره وهو يعتلي بيك أب أمام مكاتب الجريدة، حيث كان يساعد في إنزال قوالب الرصاص التي كانت تستخدم في المطابع في ذلك الوقت، وتتشكل منها بعد صهرها الحروف التي يتم رصفها يدويا في عملية شاقة، حتى عند رواية تفاصيلها وشرح آلية عملها.

كانت مكاتب الجريدة في ذلك الوقت تحتل مدخل عمارة أو بيت درج كما يقولون ، حيث كانت ازمة المساكن في أبوظبي، على اشدها ولم تكن هناك أماكن للسكن ناهيك عن المكاتب. وكان أثاث مكاتب الصحيفة متواضعا جدا، حيث كان يتألف من طاولة سفرة قديمة، حولها مجموعة من الكراسي الخشبية، فيما تتناثر في المكان بضعة مكاتب حديدية يحتلها الموظفون والمحررون الرئيسيون. في ذلك اليوم تم تعيني بمجرد دخولي للمكان حيث دعيت للمشاركة في إجتماع للتحرير كان البحث يتركز فيه على إصدار مجلة سياسية اسبوعية اسمها الظفرة، وكلفت يومها كخريج علوم سياسية أن أكتب تحقيقا عن إحتمالات عقد مؤتمر جينيف للسلام بين العرب واسرائيل

كان محفوظ يومها محسوبا على المعارضين للرئيس المصري الراحل أنور السادات، وكان يتحين أي فرصة لإظهار موقفه السياسي. وجاءته هذه الفرصة فرسم كاريكاتيرا فاضحا للموضوع المتعلق بمؤتمر جنيف، اثار السفير المصري في الإمارات في ذلك الوقت وهو السفير سعد الدين مرتضى ألذي اصبح فيما بعد أول سفير لمصر في اسرائيل. وقد طالب السفير مرتضى من السلطات الاماراتية تسفيري ككاتب للموضوع وتسفير الرسام وهو ما لم يحصل بعد أن تدخل وسطاء اقنعوا السفير بسحب شكواه بعد تعهد بسحب عدد المجلة من الاسواق.

في ذلك اليوم بدأت أول متاعب محمد حامد “محفوظ” مع جريدة الوحدة، ومع متاعبه الأولي ذقت طعم الشهرة في الاوساط الدبلوماسية، التي لم يكن لها عمل في ذلك الوقت إلا تصيد الاشاعات والأخبار، في بلد لازال في طور التشكل. وسرعان ما تفاقمت متاعب محفوظ بعد هذه الحادثة، التي شكلت مصدر إحتكاك بمالك الجريدة. فتركها وذهب لتأسيس جريدة خاصة أخرى في ابوظبي هي جريدة الوثبة التي أسسها مواطن هاو للكتابة وبالتحديد كتابة القصة القصيرة وهو محمد ماجد السويدي، لكن الرقابة لاحقت محفوظ هناك، ولم يستطع تحملها فترك أبوظبي إلى الشارقة حيث قام بتصميم جريدة الخليج التي تأسست في عام 1970 وتوقفت عن الصدور لمدة 10 سنوات وأعاد الأخوان المرحوم تريم عمران تريم والدكتور عبد الله عمران تريم أطال الله في عمره، تاسيسها لتصدر في 10 ابريل 1980. لكن إقامة محفوظ لم تستمر طويلا ليترك الامارات إلى لندن حيث شارك في إدارة تحرير جريدة العرب ذات التوجهات الناصرية والتي كان يرأس تحريرها أول وزير إعلام في عهد القذافي وهو عبد المنعم الهوني . كان إنتقال محفوظ إلى لندن آخر عهده بالخليج وقد رأيته لآخر مرة في لندن في أواسط الثمانينات وقد اصابه النحول بعد أن تكالبت عليه المشاكل الصحية والأسرية.

اهمية محمد حامد “محفوظ ” أنه كان أحد ابرز الذين ساهموا في قيام الصحافة الاماراتية الحديثة، كان مهنيا إلى أبعد حد، لكنه كان حنبليا من الناحية السياسية وظل وفيا لنهجه السياسي الذي أخرجه من مصر أول مرة وأخرجه من الخليج في المرة الأخيرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث